التجلية من الجلاء بمعنى الظهور ، والدك هو أشد الدق ، وجعله دكا أي مدكوكا
والخرور هو السقوط ، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس وبطلان إدراكها ،
والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال : أفاق من غشيته أي رجع إلى
حال استقامة الشعور والادراك .
ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنه " لما جاء موسى لميقاتنا " الذي
وقتناه له " وكلمه ربه " بكلامه " قال " أي موسى " رب أرني أنظر إليك " أي
أرني نفسك أنظر إليك أي مكني من النظر إليك حتى أنظر إليك وأراك فإن الرؤية
فرع النظر ، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكن منها ، " قال " الله تعالى لموسى
" لن تراني " أبدا " ولكن انظر إلى الجبل " وكان جبلا بحياله مشهودا له أشير إليه بلام
العهد الحضوري " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " أي لن تطيق
رؤيتي فانظر إلى الجبل فإني أظهر له فإن استقر مكانه وأطاق رؤيتي فاعلم أنك تطيق
النظر إلي ورؤيتي " فلما تجلى " وظهر " ربه للجبل جعله " بتجليه " دكا " مدكوكا
متلاشيا في الجو أو سائحا " وخر موسى صعقا " ميتا أو مغشيا عليه من هول ما رأى
" فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " رجعت إليك مما اقترحته عليك " وأنا أول
المؤمنين " بأنك لا ترى . هذا ظاهر ألفاظ الآية .
والذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية إذا عرضناه
على الفهم العامي المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الابصار ، ولا نشك ولن نشك أن
الرؤية والابصار يحتاج إلى عمل طبيعي في جهاز الابصار يهيئ للباصر صوره مماثلة
لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه .
وبالجملة هذا الذي نسميه الابصار الطبيعي يحتاج إلى مادة جسمية في المبصر
والباصر جميع ، وهذا لا شك فيه .
والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضروريا أن الله تعالى لا يماثله شئ بوجه من الوجوه
البتة فليس بجسم ولا جسماني ، ولا يحيط به مكان ولا زمان ، ولا تحويه جهة ولا توجد
صورة مماثلة أو مشابهه له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة .
وما هذا شأنه لا يتعلق به الابصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة ، ولا تنطبق
تفسير الميزان — صفحة 237
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٣٧