وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير " الشورى : 31 .
فقوله : " ما من شفيع إلا من بعد إذنه " يدل على أن شفاعة الشفاعة أو الأسباب
المخالفة التي تحول بين التدبير الإلهي وبين مقتضياته داخلة من جهة أخرى وهي جهة
الاذن في التدبير الإلهي فافهم ذلك .
فما مثل الأسباب والعوامل المتخالفة المتزاحمة في الوجود إلا كمثل كفتي الميزان
تتعاركان بالارتفاع والانخفاض ، والثقل والخفة لكن اختلافهما بعينه اتفاق منهما في
إعانة صاحب الميزان في تشخيص ما يريد تشخيصه من الوزن .
ويقرب من آية سورة يونس في الدلالة على شمول التدبير ونفي مدبر غيره تعالى
قوله : " ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون " السجدة
: 4 ، ويقرب من قوله : " ثم استوى على العرش يدبر الامر " في الإشارة إلى كون
العرش مقاما تنتشئ فيه التدابير العامة وتصدر عنه الأوامر التكوينية قوله تعالى :
" ذو العرش المجيد فعال لما يريد " البروج : 16 ، وهو ظاهر .
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : " وترى الملائكة حافين من حول العرش
يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق " الزمر : 75 ، فإن الملائكة هم الوسائط الحاملون
لحكمه والمجرون لامره العاملون بتدبيره فليكونوا حافين حول عرشه .
وكذا قوله تعالى : " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون
به ويستغفرون للذين آمنوا " المؤمن : 7 ، وفي الآية مضافا إلى ذكر احتفافهم بالعرش
شئ آخر وهو أن هناك حملة يحملون العرش ، وهم لا محالة أشخاص يقوم بهم هذا المقام
الرفيع والخلق العظيم الذي هو مركز التدابير الإلهية ومصدرها ، ويؤيد ذلك ما في
آية أخرى وهي قوله : " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية " الحاقة : 17 ، .
وإذ كان العرش هو المقام الذي يرجع إليه جميع أزمة التدابير الإلهية والاحكام
الربوبية الجارية في العالم كما سمعت ، كان فيه صور جميع الوقائع بنحو الاجمال حاضرة
عند الله معلومة له ، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : " ثم استوى على العرش يعلم ما يلج
في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما
تعملون بصير " الحديد : 4 ، فقوله : " يعلم ما يلج " الخ ، يجري مجرى التفسير للاستواء
تفسير الميزان — صفحة 158
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٨