الشئ البسيط وضم ماله من درجة الوجود وحده وماله من الآثار والروابط التي له
مع غيره ، فالأصول الأولية مقدرة مخلوقة كما أن المركبات مقدرة مخلوقة . قال الله تعالى :
" وخلق كل شئ فقدره تقديرا " الفرقان : 2 ، وقال : " الذي أعطى كل شئ خلقه ثم
هدى " طه : 50 ، وقال : " الله خالق كل شئ " الزمر : 62 ، فعمم خلقه كل شئ .
فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشئ وتنظيمها سواء كانت متمايزة
منفصلا بعضها عن بعض أم لا بخلاف الامر .
ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال : " خلق السماوات والأرض في ستة أيام "
بخلاف الامر قال تعالى : " وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " القمر : 50 ، ولذلك
أيضا نسب في كلامه إلى غيره الخلق كقوله : " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني
فتنفخ فيه " المائدة : 110 ، وقال : " فتبارك الله أحسن الخالقين " المؤمنون : 14 .
وأما الامر بهذا المعنى فلم ينسبه إلى غيره بل خصه بنفسه ، جعله بينه وبين ما يريد
حدوثه وكينونته كالروح الذي يحيى به الجسد .
انظر إلى قوله تعالى : " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " وقوله :
" ولتجري الفلك بأمره " الروم : 46 ، وقوله : " ينزل الملائكة بالروح من أمره " النحل :
2 ، وقوله : " وهم بأمره يعملون " الأنبياء : 27 ، إلى غير ذلك من الآيات تجد أنه
تعالى يجعل ظهور هذه الأشياء بسببية أمره أو بمصاحبة أمره ، فنلخص أن الخلق والامر
يرجحان بالآخرة إلى معنى واحد وإن كانا مختلفين بحسب الاعتبار .
فإذا انفرد كل من الخلق والامر صح أن يتعلق بكل شئ ، كل بالعناية الخاصة
به ، وإذا اجتمعا كان الخلق أحرى بأن يتعلق بالذوات بما أنها أوجدت بعد تقدير
ذواتها وآثارها ، ويتعلق الامر بآثارها والنظام الجاري فيها بالتفاعل العام بينها لما أن
الآثار هي التي قدرت للذوات ولا وجه لتقدير المقدر فافهم ذلك .
ولذلك قال تعالى : " ألا له الخلق والامر " فأتى بالعطف المشعر بالمغايرة بوجه
وكأن المراد بالخلق ما يتعلق من الايجاد بذوات الأشياء ، وبالأمر ما يتعلق بآثارها
والأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميز بين الجهتين في أول الآية حيث قال :
" خلق السماوات والأرض في ستة أيام " وهذا هو إيجاد الذوات " ثم استوى على العرش
تفسير الميزان — صفحة 152
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٢