بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الآية وخاصة قوله ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) فإنه
ظاهر في الاضطرار .
ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الايمان فيضطروا
إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الآية الشريفة .
لكنه سبحانه فيما يشابه الآية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم الاضطرار
كقوله تعالى : ( ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ، ولكن حق القول منى لأملأن جهنم
من الجنة والناس أجمعين ) ( السجدة : 13 ) يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله : ( قال فالحق
والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) ( ص : 85 ) فبين تعالى أن
عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه
سيغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين .
وقد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس :
( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين
قال هذا صراط على مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ،
وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) ( الحجر : 43 ) وقد نسب ذلك إليهم إبليس أيضا فيما
حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة : ( وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله
وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم - إلى أن قال - إني كفرت بما أشركتمون من
قبل ) ( إبراهيم : 22 ) .
فالآيات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهى إلى غواية الانسان والغواية تنتهى إلى
نفس الانسان ، ولا ينافي ذلك ما يظهر من آيات أخر أن الانسان ليس له أن يشاء إلا أن
يشاء الله منه المشية كقوله تعالى : ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ، وما
تشاءون إلا أن يشاء الله ) ( الانسان : 30 ) ، وقال تعالى : ( إن هو إلا ذكر للعالمين ،
لمن شاء منكم أن يستقيم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) ( التكوير : 29 ) .
فمشية الانسان في تحققها وإن توقفت على مشية الله سبحانه إلا أن الله سبحانه لا
يشاء منه المشية إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته ، وتعرض منه لرحمته ، قال تعالى :
تفسير الميزان — صفحة 65
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٦٥