وبالجملة الملاك في أمر هذا التفضيل هو التلبس بتلك الهداية الإلهية التي لا واسطة
فيها ، والأنبياء فضلوا على غيرهم بسبب التلبس بها فلو فرض تلبس من غيرهم بهذه الهداية
كالملائكة كما ربما يظهر من كلامه تعالى وكالأئمة على ما تقدم في البحث عن قوله تعالى
: ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) ( البقرة : 124 ) في الجزء الأول من الكتاب فلا يفضل
عليهم الأنبياء عليه السلام من هذه الحيثية وإن أمكن أن يفضلوا عليهم من جهة أخرى
غير جهة الهداية .
ومن هنا يظهر : أن استدلال بعضهم بالآية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة
ليس في محله .
ويظهر أيضا أن المراد بالتفضيل إنما هو التفضيل من حيث الهداية الإلهية الخاصة
التي أخذتهم من غير توسط أحد ، وأما كونهم أهل الاجتباء وأهل الصراط المستقيم
وأهل الكتاب والحكم والنبوة فأمر خارج عن مصب التفضيل المذكور في هذه الآية .
واعلم أن الذي وقع في الآيات الثلاث من ذكر من عدده الله تعالى من الأنبياء
بأسمائهم - وهم سبعة عشر نبيا - لم يراع فيه الترتيب الذي بينهم لا بحسب الزمان وهو
ظاهر ، ولا بحسب الرتبة والفضيلة فإن فيهم نوحا وموسى وعيسى عليه السلام ، وهم أفضل
من باقي المذكورين بنص الكتاب كما تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب
وقد قدم عليهم غيرهم في الذكر .
وقد ذكر صاحب المنار في وجه الترتيب المأخوذ في الآيات الثلاث بين الأنبياء
المسمين فيها - وهم أربعة عشر نبيا - ما ملخصه : أنه تعالى جعلهم ثلاثة أقسام لمعان
في ذلك جامعة بين كل قسم منهم .
فالقسم الأول : داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ، والمعنى الجامع
بينهم أن الله تعالى آتاهم الملك والامارة والحكم والسيادة مع النبوة والرسالة ، وقد قدم
ذكر داود وسليمان وكانا ملكين غنيين منعمين ، وذكر بعدهما أيوب ويوسف ، وكان
أيوب أميرا غنيا عظيما محسنا ، وكان يوسف وزيرا عظيما وحاكما متصرفا ، وقد ابتليا
بالضراء فصبرا وبالسراء فشكرا ، وبعد ذلك موسى وهارون وكانا حاكمين في قومهما ولم
يكونا ملكين .
تفسير الميزان — صفحة 244
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٤٤