أمعنا في حقيقة معناها وجدناها مبنية على أساس توحيد الصانع ، وإثبات شفعاء
عنده ، ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وإن انحرفت بعد عن مجراها ، وآل
أمرها إلى إعطاء الاستقلال والأصالة لآلهة دون الله .
والفطرة الداعية إلى توحيد الاله وإن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود
العظمة والكبرياء ذاتا وصفة - على ما تقدم بيانه بالاستفادة من الكتاب العزيز - غير
أن الفة الانسان وأنسه في ظرف حياته بالآحاد العددية من جانب ، وبلاء المليين
بالوثنيين والثنويين وغيرهم لنفى تعدد الالهة من جانب آخر سجل عددية الوحدة
وجعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه .
ولذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان
وإسكندرية وغيرهم ممن بعدهم يعطى الوحدة العددية حتى صرح بها مثل الرئيس أبى
علي بن سينا في كتاب الشفاء ، وعلى هذا المجرى يجرى كلام غيره ممن بعده إلى حدود
الألف من الهجرة النبوية .
وأما أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطى أزيد من
الوحدة العددية أيضا في عين أن هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامة ، فهذا ما
يتحصل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة .
فالذي بينه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خطيت في تعليم هذه
الحقيقة من المعرفة ، غير أن أهل التفسير والمتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة والتابعين
ثم الذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف ، فهذه جوامع الحديث وكتب التفسير
المأثورة منهم لا ترى فيها أثرا من هذه الحقيقة لا ببيان شارح ، ولا بسلوك استدلالي .
ولم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلا ما ورد في كلام الإمام علي بن أبي طالب
عليه أفضل السلام خاصة ، فإن كلامه هو الفاتح لبابها ، والرافع لسترها وحجابها على
أهدى سبيل وأوضح طريق من البرهان ، ثم ما وقع في كلام الفلاسفة الاسلاميين بعد
الألف الهجري ، وقد صرحوا بأنهم إنما استفادوه من كلامه عليه السلام .
وهذا هو السر في اقتصارنا في البحث الروائي السابق على نقل نماذج من غرر
كلامه عليه السلام الرائق ، لان السلوك في هذه المسألة وشرحها من مسلك الاحتجاج
تفسير الميزان — صفحة 104
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠٤