تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ولولا أن المفاهيم تسقط عند الاشراف على ساحة عظمته وكبريائه بالمعنى الذي تقدم لأمكن للعقل أن يحيط به بما عنده من المفاهيم العامة المبهمة كوصفه بأنه ذات لا كالذوات ، وله علم لا كالعلوم ، وقدرة لا كقدرة غيره ، وحياة لا كسائر أقسام الحياة ، فإن هذا النحو من الوصف لا يدع شيئا إلا أحصاه وأحاطة به إجمالا فهل يمكن أن يحيط به سبحانه شئ ؟ أو أن الممنوع هو الإحاطة به تفصيلا ، وأما الإحاطة الاجمالية فلا بأس بها ؟ وقد قال تعالى : " ولا يحيطون به علما " ( طه : 110 ) ، وقال : " إلا إنه بكل شئ محيط " ( حم السجدة : 54 ) ، والله سبحانه لا يحيط به شئ من جهة من الجهات بنحو من أنحاء الإحاطة ، ولا يقبل ذاته المقدسة إجمالا وتفصيلا حتى يتبعض فيكون لاجماله حكم ولتفصيله حكم آخر فافهم ذلك . وفي الاحتجاج عنه عليه السلام في خطبة : " دليله آياته ، ووجوده إثباته ، ومعرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنه رب خالق ، غير مربوب مخلوق ، ما تصور فهو بخلافه - ثم قال عليه السلام : - ليس بإله من عرف بنفسه ، هو الدال بالدليل عليه ، والمؤدى بالمعرفة إليه " . أقول : التأمل فيما تقدم يوضح أن الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة غير عددية لصراحته في أن معرفته تعالى عين توحيده أي إثبات وجوده عين إثبات وحدته ، ولو كانت هذه الوحدة عددية لكانت غير الذات فكانت الذات في نفسها لا تفي بالوحدة إلا بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات . وهذا من عجيب المنطق وأبلغ البيان في باب التوحيد الذي يحتاج شرحه إلى مجال وسيع لا يسعه طراز البحث في هذا الكتاب ، ومن ألطف المقاصد الموضوعة فيه قوله عليه السلام : " وجوده إثباته " يريد به أن البرهان عليه نفس وجوده الخارجي أي انه لا يدخل الذهن ، ولا يسعه العقل . قوله : " ما تصور فهو بخلافه " ليس المراد به أنه غير الصورة الذهنية فان جميع الأشياء الخارجية على هذا النعت ، بل المراد أنه تعالى بخلاف ما يكشف عنه التصور الذهني أيا ما كان ، فلا يحيط به صورة ذهنية ، ولا ينبغي لك ان تغفل عن انه أنزه ساحة حتى من هذا التصور أعني تصور انه بخلاف كل تصور . وقوله : " ليس باله من عرف بنفسه " مسوق لبيان جلالته تعالى عن أن يتعلق