تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
الله نفسه " ( آل عمران : 28 - 30 ) وقد مر في الكلام على الآية أن مدلولها وقوع المحذور لا محالة قضاء حتما لا مبدل له ولا محول . وإن شئت مزيد وضوح لذلك فتدبر في قوله تعالى : " وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم - وقد ذكر قبل الآية قصص أمم نوح وهود وصالح وغير هم ثم اختلاف اليهود في كتابهم - إنه بما تعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا - والخطاب كما ترى خطاب اجتماعي - إنه بما تعملون بصير " ( هود : 112 ) ثم تدبر في قوله تعالى بعده : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " ( هود : 113 ) . وقد بين الله سبحانه معنى مسيس هذه النار في الدنيا قبل الآخرة - والآية مطلقة وهو الذي توعد به في قوله : " ويحذركم الله نفسه " بقوله تعالى : " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون " ( المائدة : 3 ) فبين فيه أن الذي كان يخشاه المؤمنون على دينهم من الذين كفروا وهم المشركون وأهل الكتاب - كما تبين سابقا - إلى يوم نزول الآية فهم اليوم في أمن منه فلا ينبغي لهم أن يخشوهم فيه بل يجب عليهم أن يخشوا فيه ربهم ، والذي كانوا يخشونهم فيه على دينهم هو أن الكفار لم يكن لهم هم فيهم إلا إطفاء نور الدين ، وسلب هذه السلعة النفيسة من أيديهم بأي وسيلة قدروا عليها . فهذا هو الذي كانوا يخشونه قبل اليوم ، وبنزول سورة المائدة أمنوا ذلك واطمأنت أنفسهم غير أنه يجب عليهم أن يخشوا في ذلك ربهم أن لا يذهب بنورهم ولا يسلبهم دينه . ومن المعلوم أن الله سبحانه لا يفاجئ قوما بنقمة أو عذاب من غير أن يستحقوه قال تعالى : " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( الأنفال : 53 ) فبين أن تغييره النعمة لا يكون إلا عن استحقاق ، وأنه يتبع تغيير الناس ما بأنفسهم ، وقد سمى الدين أو الولاية الدينية كما تقدم نعمة حيث قال بعده : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ( المائدة : 3 ) . فتغيير هذه النعمة من قبلهم ، والتخطي عن ولاية الله بقطع الرابطة منه ، والركون إلى الظالمين ، وولاية الكفار وأهل الكتاب هو المتوقع منهم ، والواجب عليهم أن يخشوه على أنفسهم فيخشوا الله في سخط لا راد له ، وقد أوعدهم فيه بقوله : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين " ( المائدة : 51 ) فأخبر أنه لا يهديهم إلى سعادتهم