تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وربما قيل : إن قوله : طوعت بمعنى زينت فقوله : " قتل أخيه " مفعول به ، وقيل : بمعنى طاوعت أي طاوعت له نفسه في قتل أخيه ، فالقتل منصوب بنزع الخافض ، ومعنى الآية ظاهر . وربما استفيد من قوله : " فأصبح من الخاسرين " أنه إنما قتله ليلا ، وفيه كما قيل : أن أصبح - وهو مقابل أمسى - وإن كان بحسب أصل معناه يفيد ذلك لكن عرف العرب يستعمله بمعنى صار من غير رعاية أصل اشتقاقه ، وفي القرآن شئ كثير من هذا القبيل كقوله : " فأصبحتم بنعمته إخوانا " ( آل عمران : 103 ) وقوله : " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " ( المائدة : 52 ) فلا سبيل إلى إثبات إرادة المعنى الأصلي في المقام . قوله تعالى : " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه " البحث طلب الشئ في التراب ثم يقال : بحثت عن الامر بحثا كذا في المجمع . والمواراة : الستر ، ومنه التواري للتستر ، والوراء لما خلف الشئ . والسوأة ما يتكرهه الانسان . والويل الهلاك . ويا ويلتا كلمة تقال عند الهلكة ، والعجز مقابل الاستطاعة . والآية بسياقها تدل على أن القاتل قد كان بقي زمانا على تحير من أمره ، وكان يحذر أن يعلم به غيره ، ولا يدرى كيف الحيلة إلى أن لا يظفروا بجسده حتى بعث الله الغراب ، ولو كان بعث الغراب وبحثه وقتله أخاه متقاربين لم يكن وجه لقوله : " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب . وكذا المستفاد من السياق أن الغراب دفن شيئا في الأرض بعد البحث فإن ظاهر الكلام أن الغراب أراد إراءة كيفية ، المواراة لا كيفية البحث ، ومجرد البحث ما كان يعلمه كيفية المواراة وهو في سذاجة الفهم بحيث لم ينتقل ذهنه بعد إلى معنى البحث ، فكيف كان ينتقل من البحث إلى المواراة ولا تلازم بينهما بوجه ؟ فإنما انتقل إلى معنى المواراة بما رأى أن الغراب بحث في الأرض ثم دفن فيها شيئا . والغراب من بين الطير من عادته أنه يدخر بعض ما اصطاده لنفسه بدفنه في الأرض ، وبعض ما يقتات بالحب ونحوه من الطير وإن كان ربما بحث في الأرض لكنه للحصول على مثل الحبوب والديدان لا للدفن والادخار . وما تقدم من إرجاع ضمير الفاعل في " ليريه " إلى الغراب هو الظاهر من الكلام