تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وليس العلم وفضله أمرا محسوسا يعرفه أمة من أمة أخرى إلا أن يرتبط بالصنعة فيظهر أثره على الحس فيعرفه العامة . وقد أيقظت هذه الفتوحات المتوالية الغزيرة العرب الجاهلية من الغرور والنخوة بعد ما كانت في سكن بالتربية النبوية ، فكانت تتسرب فيهم روح الأمم المستعلية الجبارة ، وتتمكن منهم رويدا ، يشهد به شيوع تقسيم الأمة المسلمة يومئذ إلى العرب والموالي ، وسير معاوية - وهو والى الشام يومذاك - بين المسلمين بسيرة ملوكية قيصرية ، وأمور أخرى كثيرة ذكرها التاريخ عن جيوش المسلمين ، وهذه نفسيات لها تأثير في السير العلمي ولا سيما التعليمات القرآنية . وأما الذي كان عندهم من حاضر السير العلمي فالاشتغال بالقرآن كان على حاله وقد صار مصاحف متعددة تنسب إلى زيد وأبى وابن مسعود وغيرهم . وأما الحديث فقد راج رواجا بينا وكثر النقل والضبط إلى حيث نهى عمر بعض الصحابة عن التحديث لكثرة ما روى ، وقد كان عدة من أهل الكتاب دخلوا في الاسلام وأخذ عنهم المحدثون شيئا كثيرا من أخبار كتبهم وقصص أنبيائهم وأممهم ، فخلطوها بما كان عندهم من الأحاديث المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخذ الوضع والدس يدوران في الأحاديث ، ويوجد اليوم في الأحاديث المقطوعة المنقولة عن الصحابة ورواتهم في الصدر الأول شئ كثير من ذلك يدفعه القرآن بظاهر لفظه . وجملة السبب في ذلك أمور ثلاثة : 1 - المكانة الرفيعة التي كانت تعتقدها الناس لصحبة النبي وحفظ الحديث عنه ، وكرامة الصحابة وأصحابهم النقلة عنهم على الناس ، وتعظيمهم لأمرهم ، فدعا ذلك الناس إلى الاخذ والاكثار ( حتى عن مسلمى أهل الكتاب ) والرقابة الشديدة بين حملة الحديث في حيازة التقدم والفخر . 2 - ان الحرص الشديد منهم على حفظ الحديث ونقله منعهم عن تمحيصه والتدبر في معناه وخاصة في عرضه على كتاب الله وهو الأصل الذي تبتنى عليه بنية الدين وتستمد منه فروعه ، وقد وصاهم بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح من قوله : " ستكثر على القالة "