تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وهذا كما قيل : آكد بيانا من قوله : " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما " ( الفتح : 29 ) لا لما قيل : إنه لكونه خبرا بعد خبر ، فإن ذلك خطأ بل لكونه تصريحا بإنشاء الوعد من غير أن يدل عليه ضمنا ، كآية سورة الفتح . قوله تعالى : " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم " قال الراغب : الجحمة شدة تأجج النار ومنه الجحيم ، والآية تشتمل على نفس الوعيد ، وتقابل قوله تعالى في الآية السابقة : " لهم مغفرة وأجر عظيم " . وتقييد الكفر بتكذيب الآيات للاحتراز عن الكفر الذي لا يقارن تكذيب الآيات الدالة ، ولا ينتهى إلى إنكار الحق مع العلم بكونه حقا كما في صورة الاستضعاف ، فإن أمره إلى الله إن يشأ يغفره وإن يشا يعذب عليه فهاتان الآيتان وعد جميل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وإيعاد شديد للذين كفروا وكذبوا بآيات الله ، وبين المرحلتين مراحل متوسطة ومنازل متخللة أبهم الله سبحانه أمرها وعقباها . قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا " ( الخ ) هذا المضمون يقبل الانطباق على وقائع متعددة مختلفة وقعت بين الكفار والمسلمين كغزوات بدر وأحد والأحزاب وغير ذلك ، فالظاهر أن المراد به مطلق ما هم به المشركون من قتل المؤمنين وإمحاء أثر الاسلام ودين التوحيد . وما ذكره بعض المفسرين أن المراد به ما هم بعض المشركين من قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ما هم به بعض اليهود من الفتك به - وسيجئ قصتهما - فبعيد من ظاهر اللفظ كما لا يخفى . قوله تعالى : " واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون " أمر بالتقوى والتوكل على الله ، والمراد بالحقيقة النهى والتحذير الشديد عن ترك التقوى وترك التوكل على الله سبحانه ، والدليل على ذلك ما سرده تعالى من قصة اخذ الميثاق من بني إسرائيل ومن الذين قالوا انا نصارى ، ثم نقض الطائفتين الميثاق الإلهي وابتلاء الله إياهم باللعن وتقسية القلوب ، ونسيان حظ من دينهم ، واغراء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة . ولم يذكر القصة إلا ليستشهد بها على المؤمنين ، ويجعلها نصب أعينهم ليعتبروا بها وينتبهوا بأن اليهود والنصارى إنما ابتلوا بما ابتلوا به لنسيانهم ميثاق الله سبحانه ولم يكن إلا ميثاقا بالاسلام لله ، واثقوه بالسمع والطاعة ، وكان لازم ذلك أن يتقوا مخالفة ربهم