تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله الله وأتم نعمته عليهم ، ولم يكن لهم قبل الاسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله الله ويتم نعمته عليهم . على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله : " اليوم أكملت " ، على قوله : " اليوم يئس الذين كفروا " ، حتى يستقيم الكلام في نظمه . أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل الله فيه كيد مشركي قريش وأذهب شوكتهم ، وهدم فيه بنيان دينهم ، وكسر أصنامهم ، فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق ، ويضادوا الاسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته ؟ . لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين وإتمام النعمة ولما يكمل الدين بفتح مكة - وكان في السنة الثامنة من الهجرة - فكم من فريضة نزلت بعد ذلك ، وكم من حلال أو حرام شرع فيما بينه وبين رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم . على أن قوله : " الذين كفروا " يعم جميع مشركي العرب ولم يكونوا جميعا آئسين من دين المسلمين ، ومن الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات والمواثيق على عدم التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها ، وكانوا يحجون حجة الجاهلية على سنن المشركين ، وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام بآيات البراءة فأبطل بقايا رسوم الجاهلية . أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الاسلام على جزيرة العرب تقريبا ، وعفت آثار الشرك ، وماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون يرون في معاهد الدين ومناسك الحج أحدا من المشركين ، وصفا لهم الامر ، وأبدلهم الله بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا ؟ لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب وإن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول آيات البراءة وطي بساط الشرك من الجزيرة وإعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين لم يكمل بعد ، وقد نزلت فرائض وأحكام بعد ذلك ، ومنها ما في هذه السورة : ( سورة المائدة ) ، وقد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيها شئ كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص . فتحصل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية معناه الوسيع مما