تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الأمور المحسوسة أولا ثم استعير فعمم للأمور المعنوية كعقود المعاملات الدائرة بينهم من بيع أو إجارة أو غير ذلك ، وكجميع العهود والمواثيق فأطلقت عليها الكلمة لثبوت أثر المعنى الذي عرفت أنه اللزوم والالتزام فيها . ولما كان العقد - وهو العهد - يقع على جميع المواثيق الدينية التي أخذها الله من عباده من أركان وأجزاء كالتوحيد وسائر المعارف الأصلية والأعمال العبادية والاحكام المشروعة تأسيسا أو امضاء ، ومنها عقود المعاملات وغير ذلك ، وكان لفظ العقود أيضا جمعا محلى باللام لا جرم كان الأوجه حمل العقود في الآية على ما يعم كل ما يصدق عليه أنه عقد . وبذلك يظهر ضعف ما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالعقود العقود التي يتعاقدها الناس بينهم كعقد البيع والنكاح والعهد ، أو يعقدها الانسان على نفسه كعقد اليمين . وكذا ما ذكره بعض آخر : أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة والمؤازرة على من يقصدهم بسوء أو يبغي عليهم ، وهذا هو الحلف الدائر بينهم . وكذا ما ذكره آخرون : أن المراد بها المواثيق المأخوذة من أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل . فهذه وجوه لا دليل على شئ منها من جهة اللفظ . على أن ظاهر الجمع المحلى باللام وإطلاق العقد عرفا بالنسبة إلى كل عقد وحكم لا يلائمها ، فالحمل على العموم هو الأوجه . ( كلام في معنى العقد ) يدل الكتاب كما ترى من ظاهر قوله تعالى : " أوفوا بالعقود " على الامر بالوفاء بالعقود ، وهو بظاهره عام يشمل كل ما يصدق عليه العقد عرفا مما يلائم الوفاء . والعقد هو كل فعل أو قول يمثل معنى العقد اللغوي ، وهو نوع ربط شئ بشئ آخر بحيث يلزمه ولا ينفك عنه كعقد البيع الذي هو ربط المبيع بالمشترى ملكا بحيث كان له أن يتصرف فيه ما شاء ، وليس للبائع بعد العقد ملك ولا تصرف ، وكعقد النكاح الذي يربط المرأة بالرجل بحيث له أن يتمتع منها تمتع النكاح ، وليس للمرأة أن تمتع غيره من نفسها ، وكالعهد