وقال : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " المجادلة : 11 وقال :
" فأولئك لهم الدرجات العلى " طه : 75 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ارتفاع مقام
الانسان وارتقائه بالايمان والعمل الصالح عطاء من الله غير مجذوذ ، وقد سماه تعالى
أجرا كما يشير إليه قوله الآتي : " فلهم أجر غير ممنون " .
قوله تعالى : " ثم رددناه أسفل سافلين " ظاهر الرد أن يكون بمعناه المعروف فأسفل
منصوب بنزع الخافض ، والمراد بأسفل سافلين مقام منحط هو أسفل من سفل من أهل
الشقوة والخسران والمعنى ثم رددنا الانسان إلى أسفل من سفل من أهل العذاب .
واحتمل أن يكون الرد بمعنى الجعل أي جعلناه أسفل سافلين ، وأن يكون بمعنى التغيير
والمعنى ثم غيرناه حال كونه أسفل جمع سافلين ، والمراد بالسفالة على أي حال الشقاء والعذاب .
وقيل : المراد بخلق الانسان في أحسن تقويم ما عليه وجوده أوان الشباب من
استقامة القوى وكمال الصورة وجمال الهيئة ، وبرده إلى أسفل سافلين رده إلى الهرم
بتضعيف قواه الظاهرة والباطنة ونكس خلقته فتكون الآية في معنى قوله تعالى : " ومن
نعمره ننكسه في الخلق " يس : 68 .
وفيه أنه لا يلائمه ما في قوله : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " من الاستثناء
الظاهر في المتصل فان حكم الخلق عام في المؤمن والكافر والصالح والطالح ودعوى أن
المؤمن أو المؤمن الصالح مصون من ذلك مجازفة .
وكذا القول بأن المراد بالانسان هو الكافر والمراد بالرد رده إلى جهنم أو إلى نكس
الخلق والاستثناء منقطع .
قوله تعالى : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون " أي غير مقطوع
استثناء متصل من جنس الانسان ، وتفريع قوله : " فلهم أجر غير ممنون " عليه يؤيد
كون المراد من رده إلى أسفل سافلين رده إلى الشقاء والعذاب .
قوله تعالى : " فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين " الخطاب للانسان
باعتبار الجنس ، وقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد غيره ، و " ما " استفهامية توبيخية ، و " بالدين "
متعلق بيكذبك ، والدين الجزاء والمعنى - على ما قيل - ما الذي يجعلك مكذبا
بالجزاء يوم القيامة بعد ما جعلنا الانسان طائفتين طائفة مردودة إلى أسفل سافلين
وطائفة مأجورة اجرا غير ممنون .
تفسير الميزان — صفحة 320
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٢٠