فلم نغادر منهم أحدا " الكهف : 67 .
وقوله : " فإن كان لكم كيد فكيدون " أي ان كانت لكم حيلة تحتالون بي في دفع
عذابي عن أنفسكم فاحتالوا ، وهذا خطاب تعجيزي منبئ عن انسلاب القوة والقدرة
عنهم يومئذ بالكلية بظهور أن لا قوة الا لله عز اسمه قال تعالى : " ولو يرى الذين ظلموا
إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين
اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب " البقرة : 166 .
والآية أعني قوله : " ان كان لكم كيد فكيدون " أوسع مدلولا من قوله : " يا معشر
الجن والإنس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون
إلا بسلطان " الرحمن : 33 لاختصاصه بنفي القدرة على الفرار بخلاف الآية التي نحن فيها
وفي قوله : " فكيدون " التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده والنكتة فيه
أن متعلق هذا الامر التعجيزي إنما هو الكيد لمن له القوة والقدرة فحسب وهو الله
وحده ولو قيل : فكيدونا فات الاشعار بالتوحد .
قوله تعالى : " إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون - إلى - قوله - المحسنين "
الظلال والعيون ظلال الجنة وعيونها التي يتنعمون بالاستظلال بها وشربها ، والفواكه جمع
فاكهة وهي الثمرة .
وقوله : " كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون " مفاده الاذن والإباحة ، وكأن
الأكل والشرب كناية عن مطلق التنعم بنعم الجنة والتصرف فيها وإن لم يكن بالاكل
والشرب وهو شائع كما يطلق أكل المال على مطلق التصرف فيه .
وقوله : " انا كذلك نجزي المحسنين " تسجيل لسعادتهم .
قوله تعالى : " كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون " الخطاب من قبيل قولهم : إفعل ما
شئت فإنه لا ينفعك ، وهذا النوع من الامر إياس للمخاطب أن ينتفع بما يأتي به من الفعل
للحصول على ما يريده ، ومنه قوله : " فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا "
طه : 72 ، وقوله : " اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير " حم السجدة : 60 .
فقوله : " كلوا وتمتعوا قليلا " أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا إياس لهم من أن ينتفعوا
بمثل الاكل والتمتع في دفع العذاب عن أنفسهم فليأكلوا وليتمتعوا قليلا فليس يدفع
عنهم شيئا .
تفسير الميزان — صفحة 155
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٥