تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
ثم قال ما محصله : انهما لما كانا من نعم الله تعالى من جهة هذه الحكم المترتبة عليهما كان من عمل فيهما بعمل ينافي الحكم المقصودة منهما فقد كفر بنعمة الله . وفرع على ذلك حرمة كنزهما فإنه ظلم وابطال لحكمتهما ، إذ كنزهما كحبس الحاكم بين الناس في سجن ومنعه عن الحكم بين الناس والقاء الهرج بين الناس من غير وجود من يرجعون إليه بالعدل . وفرع عليه حرمة اتخاذ آنية الذهب والفضة فإن فيه قصدهما بالاستقلال وهما مقصودان لغيرهما ، وذلك ظلم كمن اتخذ حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس . وفرع عليه أيضا حرمة معاملة الربا على الدراهم والدنانير فإنه كفر بالنعمة وظلم ، فعنهما خلقا لغيرهما لأنفسهما ، إذ لا غرض يتعلق بأعيانهما . وقد اشتبه عليه الامر في اعتبار أصلهما والفروع التي فرعها على ذلك : اما أولا : فإنه ذكر ان لا غرض يتعلق بهما في أنفسهما ، ولو كان كذلك لم يمكن أن يقدرا غيرهما من الأمتعة والحوائج ، وكيف يجوز أن يقدر شئ شيئا بما ليس فيه ؟ وهل يمكن ان يقدر الذراع طول شئ الا بالطول الذي له ؟ أو يقدر المن ثقل شئ الا بثقله الذي فيه ؟ على أن اعترافه بكونهما عزيزين في نفسهما لا يستقيم الا بكونهما مقصودين لأنفسهما ، وكيف يتصور عزة وكرامة من غير مطلوبي . على أنها لو لم يكونا إلا مقصودين لغيرهما بالخلقة لم يكن فرق بين الدينار والدرهم أعني الذهب والفضة في الاعتبار ، والواقع يكذب ذلك ، ولكان جميع أنواع النقود متساوية القيم ، ولم يقع الاعتبار على غيرهما من الأمتعة كالجلد والملح وغيرهما . واما ثانيا : فلان الحكمة المقتضية لحرمة الكنز ليس هي إعطاء المقصودية بالاستقلال لهما ، بل ما يظهر من قوله تعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الآية " التوبة - 34 ، من تحريم الفقراء عن الارتزاق بهما مع قيام الحاجة إلى العمل والمبادلة دائما كما سيجئ بيان ذلك في تفسير الآية . واما ثالثا : فلان ما ذكره من الوجه في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة وكونه ظلما وكفرا موجود في اتخاذ الحلي منهما ، وكذا في بيع الصرف ، ولم يعدا في الشرع ظلما وكفرا ولا حراما .