تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
الخمر واللهو فيما بينه وبين الله ونحو ذلك ، فإن قوله : فمن جائه موعظة من ربه وانتهى ، مطلق يشمل الكافرين والمؤمنين في أول التشريع وغيرهم من التابعين وأهل الاعصار اللاحقة . وأما قوله : ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فوقوع العود في هذه الجملة في مقابل الانتهاء الواقع في الجملة السابقة يدل على أن المراد به العود الذي يجامع عدم الانتهاء ، ويلازم ذلك الاصرار على الذنب وعدم القبول للحكم وهذا هو الكفر أو الردة باطنا ولو لم يتلفظ في لسانه بما يدل على ذلك ، فإن من عاد إلى ذنب ولم ينته عنه ولو بالندم فهو غير مسلم للحكم تحقيقا ولا يفلح ابدا . فالترديد في الآية بحسب الحقيقة بين تسليم الحكم الذي لا يخلو عن البناء على عدم المخالفة وبين الاصرار الذي لا يخلو غالبا عن عدم التسليم المستوجب للخلود على ما عرفت . ومن هنا يظهر الجواب عن استدلال المعتزلة بالآية على خلود مرتكب الكبيرة في العذاب . فان الآية وان دلت على خلود مرتكب الكبيرة بل مطلق من اقترف المعصية في العذاب لكن دلالتها مقصورة على الارتكاب مع عدم تسليم الحكم ولا محذور فيه . وقد ذكر في قوله تعالى : فله ما سلف ، وفي قوله : وأمره إلى الله ، وقوله : ومن عاد " الخ " وجوه من المعاني والاحتمالات على أساس ما فهمه الجمهور من الآية على ما تقدم لكنا تركنا إيرادها لعدم الجدوى فيها بعد فساد المنشأ . قوله تعالى : يمحق الله الربوا ويربي الصدقات " الخ " ، المحق نقصان الشئ حالا بعد حال ، ووقوعه في طريق الفناء والزوال تدريجا ، والارباء الانماء ، والأثيم الحامل للإثم ، وقد مر معنى الاثم . وقد قوبل في الآية بين إرباء الصدقات ومحق الربا ، وقد تقدم ان إرباء الصدقات وإنمائها لا يختص بالآخرة بل هي خاصة لها عامة تشمل الدنيا كما تشمل الآخرة فمحق الربا أيضا كذلك لا محالة . فكما أن من خاصة الصدقات أنها تنمي المال إنمائا يلزمها ذلك لزوما قهريا لا ينفك عنها من حيث أنها تنشر الرحمة وتورث المحبة وحسن التفاهم وتألف القلوب وتبسط الامن والحفظ ، وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والافساد