تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
ضلال من الفكر فإن مغفرة الله والزيادة التي ذكرها في الآيات السابقة انما هما في البذل من طيبات المال . فقوله تعالى : والله يعدكم " الخ " ، نظير قوله : الشيطان يعدكم " الخ " ، من قبيل وضع السبب موضع المسبب ، وفيه القاء المقابلة بين وعد الله سبحانه الواسع العليم ووعد الشيطان ، لينظر المنفقون في أمر الوعدين ويختاروا ما هو أصلح لبالهم منهما . فحاصل حجة الآية : ان اختياركم الخبيث على الطيب انما هو لخوف الفقر ، والجهل بما يستتبعه هذا الانفاق ، أما خوف الفقر فهو القاء ، شيطاني ، ولا يريد الشيطان بكم الا الضلال والفحشاء فلا يجوز ان تتبعوه ، واما ما يستتبعه هذا الانفاق فهو الزيادة والمغفرة اللتان ذكرتا لكم في الآيات السابقة ، وهو استتباع بالحق لان الذي يعدكم استتباع الانفاق لهذه المغفرة والزيادة هو الله سبحانه ووعده حق ، وهو واسع يسعه ان يعطي ما وعده من المغفرة والزيادة وعليم لا يجهل شيئا ولا حالا من شئ فوعده وعد عن علم . قوله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ، الايتاء هو الاعطاء ، والحكمة بكسر الحاء على فعلة بناء نوع يدل على نوع المعنى فمعناه النوع من الاحكام والاتقان أو نوع من الامر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور ، وغلب استعماله في المعلومات العقلية الحقة الصادقة التي لا تقبل البطلان والكذب البتة . والجملة تدل على أن البيان الذي بين الله به حال الانفاق بجمع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الانسان هو من الحكمة ، فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الانسان كالمعارف الحقة الإلهية في المبدأ والمعاد ، والمعارف التي تشرح حقائق العالم الطبيعي من جهة مساسها بسعادة الانسان كالحقائق الفطرية التي هي أساس التشريعات الدينية . قوله تعالى : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، المعنى ظاهر ، وقد أبهم فاعل الايتاء مع أن الجملة السابقة عليه تدل على أنه الله تبارك وتعالى ليدل الكلام على أن الحكمة بنفسها منشأ الخير الكثير فالتلبس بها يتضمن الخير الكثير ، لامن جهة انتساب اتيانه إليه تعالى ، فإن مجرد انتساب الاتيان لا يوجب ذلك كإيتاء المال ،