تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
لامره ، بل نبيا مكلما فإن ظاهر قوله : أعلم أن الله ، أنه بعد تبين الامر له رجع إلى ما لم يزل يعلمه من قدرة الله المطلقة ، وظاهر قوله تعالى : ثم بعثه قال كم لبثت ، أنه كان مأنوسا بالوحي والتكليم ، وأن هذا لم يكن أول وحي يوحى إليه وإلا كان حق الكلام أن يقال : فلما بعثه قال " الخ " أو ما يشبهه كقوله تعالى في موسى عليه السلام : " فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك " طه - 12 ، وقوله تعالى فيه أيضا : " فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن " القصص - 30 . وكيف كان فقد كان عليه السلام خرج من داره قاصدا مكانا بعيدا عن قريته التي كان بها ، والدليل عليه خروجه مع حمار يركبه ، وحمله طعاما وشرابا يتغذى بهما ، فلما سار إلى ما كان يقصده مر بالقرية التي ذكر الله تعالى أنها كانت خاوية على عروشها ، ولم يكن قاصدا نفس القرية ، وإنما مر بها مرورا ثم وقف معتبرا بما يشاهده من أمر القرية الخربة التي كان قد أبيد أهلها وشملتهم نازلة الموت وعظامهم الرميمة بمرئى ومنظر منه عليه السلام ، فإنه يشير إلى الموتى بقوله ، أنى يحيي هذه الله ، ولو كان مراده بذلك عمران نفس القرية بعد خرابها والإشارة إلى نفس القرية لكان حق الكلام أن يقال : انى يعمر هذه الله . على أن القرية الخربة ليس من المترقب عمرانها بعد خرابها ، ولا ان عمرانها بعد الخراب مما يستعظم عادة ، ولو كانت الأموات المشار إليهم مقبورين وقد اعتبر بمقابرهم لكان من اللازم ذكره والصفح عن ذكر نفس القرية على ما يليق بأبلغ الكلام . ثم إنه تعمق في الاعتبار فهاله ما شاهده منها فاستعظم طول مدة مكثها مع ما يصاحبه من تحولها من ما يصاحبه من تحولها من حال إلى حال ، وتطورها من صورة إلى صورة بحيث يصير الأصل نسيا منسيا ، وعند ذلك قال : انى يحيى هذه الله ، وقد كان هذا الكلام ينحل إلى جهتين : " إحديهما " : استعظام طول المدة والاحياء مع ذلك ، " والثانية " : استعظام رجوع الاجزاء إلى صورتها الأولى الفانية بعد عروض هذه التغيرات غير المحصورة ، فبين الله له الامر من الجهتين جميعا : أما من الجهة الأولى فإماتته ثم إحيائه وسؤاله وأما من الجهة الثانية فبإحياء العظام بمنظر ومرئي منه . فأماته الله مأة عام ثم بعثه ، وقد كان الإماتة والاحياء في وقتين مختلفين من النهار كما مر ذكره ، قال كم لبثت ، قال لبثت يوما أو بعض يوم نظرا إلى اختلاف