تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
وليت شعري كيف يصح الحكم بكون الإماتة المذكورة في الآية من قبيل السبات من جهة كون قصة أصحاب الكهف من قبيل السبات " على تقدير تسليمه " بمجرد شباهة ما بين القصتين مع ظهور قوله تعالى : فأماته الله ، في الموت المعهود دون السبات الذي اختلقه للآية ؟ وهل هو إلا قياس فيما لم يقل بالقياس فيه أحد ، وهو أمر الدلالة ؟ وإذا جاز أن يلق الله على رجل سبات مأة سنة مع كونه خرقا للعادة فليجز له إماتته مأة سنة ثم إحيائه ، فلا فرق عنده تعالى بين خارق وخارق إلا أن هذا القائل يرى إحياء الموتى في الدنيا محالا من غير دليل يدل عليه ، وقد تأول لذلك أيضا قوله تعالى في ذيل الآية : وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ، وسيجئ التعرض له . وبالجملة دلالة قوله تعالى : فأماته الله مأة عام ، من حيث ظهور اللفظ وبالنظر إلى قوله قبله : أنى يحيي هذه الله ، وقوله بعده ، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ، وقوله : وانظر إلى العظام ، مما لا ريب فيه . قوله تعالى : قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مأة عام ، اللبث هو المكث وترديد الجواب بين اليوم وبعض اليوم يدل على اختلاف وقت إماتته وإحيائه كأوائل النهار وأواخره ، فحسب الموت والحياة نوما وانتباها ، ثم شاهد اختلاف وقتيهما فتردد في تخلل الليلة بين الوقتين وعدم تخللها فقال يوما ( لو تخللت الليلة ) أو بعض يوم ( لو لم تتخلل ) قال : بل لبثت مأة عام . قوله تعالى : فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه إلى قوله لحما ، سياق هذه الجمل في أمره عجيب فقد كرر فيها قوله : انظر ثلاث مرات وكان الظاهر أن يكتفي بواحد منها ، وذكر فيها أمر الطعام والشراب والحمار والظاهر السابق إلى الذهن أنه لم يكن إلى ذكرها حاجة ، وجئ بقوله : ولنجعلك متخللا في الكلام وكان الظاهر أن يتأخر عن جملة : وانظر إلى العظام ، على أن بيان ما استعظمه هذا المار بالقرية - وهو احياء الموتى بعد طول المدة وعروض كل تغير عليها - قد حصل بإحيائه نفسه بعد الموت فما الموجب لان يؤمر ثانيا بالنظر إلى العظام ؟ لكن التدبر في أطراف الآية الشريفة يوضح خصوصيات القصة إيضاحا ينحل به العقدة وتنجلي به الشبهة المذكورة . ( القصة ) التدبر في الآية يعطي أن الرجل كان من صالحي عباد الله ، عالما بمقام ربه ، مراقبا