تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
انه ابن مريم لا أب له ، قال تعالى : " وجعلناها وابنها آية للعالمين " الأنبياء - 91 ، فمجموع الابن والام آية بينة إلهية وفضيلة اختصاصية أخرى . قوله تعالى : ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جائتهم البينات ، العدول إلى الغيبة ثانيا لان المقام مقام إظهار ان المشية والإرادة الربانية غير مغلوبة ، والقدرة غير باطلة ، فجميع الحوادث على طرفي إثباتها ونفيها غير خارجة عن السلطنة الإلهية ، وبالجملة وصف الألوهية هي التي تنافي تقيد القدرة وتوجب إطلاق تعلقها بطرفي الايجاب والسلب فمست حاجة المقام إلى اظهار هذه الصفة المتعالية أعني الألوهية للذكر فقيل : ولو شاء الله ما اقتتل ، ولم يقل : ولو شئنا ما اقتتل ، وهذا هو الوجه أيضا في قوله تعالى في ذيل الآية ولو شاء الله ما اقتتلوا ، وقوله : ولكن الله يفعل ما يريد وهو الوجه أيضا في العدول عن الاضمار إلى الاظهار . قوله تعالى : ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، نسب الاختلاف إليهم لا إلى نفسه لأنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه : ان الاختلاف بالايمان والكفر وسائر المعارف الأصلية المبينة في كتب الله النازلة على أنبيائه انما حدث بين الناس بالبغي ، وحاشا ان ينتسب إليه سبحانه بغى أو ظلم . قوله تعالى : ولو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، أي ولو شاء الله لم يؤثر الاختلاف في استدعاء القتال ولكن الله يفعل ما يريد وقد أراد أن يؤثر هذا الاختلاف في سوقه الناس إلى الاقتتال جريا على سنة الأسباب . ومحصل معنى الآية والله العالم : ان الرسل التي أرسلوا إلى الناس عباد لله مقربون عند ربهم ، مرتفع عن الناس أفقهم وهم مفضل بعضهم على بعض على مالهم من الأصل الواحد والمقام المشترك ، فهذا حال الرسل وقد اتوا للناس بآيات بينات اظهروا بها الحق كل الاظهار وبينوا طريق الهداية أتم البيان ، وكان لازمه ان لا ينساق الناس بعدهم الا إلى الوحدة والألفة والمحبة في دين الله من غير اختلاف وقتال لكن كان هناك سبب آخر أعقم هذا السبب ، وهو الاختلاف عن بغي منهم وانشعابهم إلى مؤمن وكافر ، ثم التفرق بعد ذلك في سائر شؤون الحياة والسعادة ، ولو شاء الله لأعقم هذا السبب أعني الاختلاف فلم يوجب الاقتتال وما اقتتلوا ، ولكن لم يشأ وأجرى هذا