تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
من حيث اشتماله على أمر حقيقي واقعي غير اعتباري كالقول في معنى الكلام بعينه فقد توهم أكثر الباحثين في المعارف الدينية : ان ما اشتملت عليه هذه البيانات أمور اعتبارية ومعاني وهمية نظير ما يوجد بيننا معاشر أهل الاجتماع من الانسان من مقامات الرئاسة والزعامة والفضيلة والتقدم والتصدر ونحو ذلك ، فلزمهم ان يجعلوا ما يرتبط بها من الحقائق كمقامات الآخرة من جنة ونار وسؤال وغير ذلك مرتبطة مترتبة نظير ترتب الآثار الخارجية على هذه المقامات الاجتماعية الاعتبارية ، أي إن الرابطة بين المقامات المعنوية المذكورة وبين النتائج المرتبة عليها رابطة الاعتبار والوضع ، ولزمهم - اضطرارا - كون جاعل هذه الروابط وهو الله تعالى وتقدس ، محكوما بالآراء الاعتبارية ومبعوثا عن الشعور الوهمي كالانسان الواقع في عالم المادة ، والنازل في منزل الحركة والاستكمال ، ولذلك تراهم يستنكفون عن القول باختصاص المقربين من أنبيائه وأوليائه بالكمالات الحقيقية المعنوية التي تثبتها لهم ظواهر الكتاب والسنة إلا أن تنسلخ عن حقيقتها وترجع إلى نحو من الاعتباريات . قوله تعالى : وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، رجوع إلى أصل السياق وهو التكلم دون الغيبة كما مر . والوجه في التصريح باسم عيسى مع عدم ذكر غيره من الرسل في الآية : ان ما ذكره له عليه السلام من جهات التفضيل وهو إيتاء البينات ، والتأييد بروح القدس مشترك بين الرسل جميعا ليس مما يختص ببعضهم دون بعض ، قال تعالى : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات " الحديد - 25 ، وقال تعالى : " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ان انذروا " النمل - 2 ، لكنهما في عيسى بنحو خاص فجميع آياته كإحياء الموتى وخلق الطير بالنفخ وإبراء الأكمه والأبرص ، والاخبار عن المغيبات كانت أمورا متكئة على الحياة مترشحة عن الروح ، فلذلك نسبها إلى عيسى عليه السلام وصرح باسمه إذ لولا التصريح لم يدل على كونه فضيلة خاصة كما لو قيل : وآتينا بعضهم البينات وأيدناه بروح القدس ، إذ البينات وروح القدس كما عرفت مشتركة غير مختصة ، فلا يستقيم نسبتها إلى البعض بالاختصاص إلا مع التصريح باسمه ليعلم انها فيه بنحو خاص غير مشترك تقريبا ، على أن في اسم عيسى عليه السلام خاصة أخرى وآية بينة وهي
تفسير الميزان — صفحة 321 | السيد محمدحسين الطباطبائي