تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
( بيان ) قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، الرؤية ههنا بمعنى العلم ، عبر بذلك لدعوى ظهوره بحيث يعد فيه العلم رؤية فهو كقوله تعالى : " ألم تر ان الله خلق السماوات والأرض بالحق " إبراهيم - 19 ، وقوله تعالى : " ألم تر كيف خلق الله سبع سماوات طباقا " نوح - 15 . وقد ذكر الزمخشري ان لفظ ألم تر جري مجرى المثل ، يؤتى به في مقام التعجيب فقولنا : ألم تر كذا وكذا معناه الا تعجب لكذا وكذا ، وحذر الموت مفعول له ، ويمكن ان يكون مفعولا مطلقا والتقدير يحذرون الموت حذرا . قوله تعالى : فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ، الامر تكويني ولا ينافي كون موتهم واقعا عن مجرى طبيعي كما ورد في الروايات : ان ذلك كان بالطاعون ، وإنما عبر بالامر ، دون ان يقال : فأماتهم الله ثم أحياهم ليكون أدل على نفوذ القدرة وغلبة الامر ، فإن التعبير بالانشاء في التكوينيات أقوى وآكد من التعبير بالاخبار كما أن التعبير بصورة الاخبار الدال على الوقوع في التشريعيات أقوى وآكد من الانشاء ، ولا يخلو قوله تعالى : ثم أحياهم عن الدلالة على أن الله أحياهم ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم ، إذ لو كان إحيائهم لعبرة يعتبر بها غيرهم أو لاتمام حجة أو لبيان حقيقة لذكر ذلك على ما هو دأب القرآن في بلاغته كما في قصة أصحاب الكهف ، على أن قوله تعالى بعد : إن الله لذو فضل على الناس ، يشعر بذلك أيضا . قوله تعالى : ولكن أكثر الناس لا يشكرون ، الاظهار في موضع الاضمار أعني تكرار لفظ الناس ثانيا لما فيه من الدلالة على انخفاض سطح أفكارهم ، على أن هؤلاء الذين تفضل الله عليهم بالاحياء طائفة خاصة ، وليس المراد كون الأكثر منهم بعينهم غير شاكرين بل الأكثر من جميع الناس ، وهذه الآية لا تخلو عن مناسبة ما مع ما بعدها من الآيات المتعرضة لفرض القتال ، لما في الجهاد من إحياء الملة بعد موتها . وقد ذكر بعض المفسرين ان الآية مثل ضربه الله لحال الأمة في تأخرها وموتها باستخزاء الأجانب إياها ببسط السلطة والسيطرة عليها ، ثم حياتها بنهضتها ودفاعها عن حقوقها الحيوية واستقلالها في حكومتها على نفسها .