تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
والمعنى : لولا أن أدركته ولحقت به نعمة من ربه وهو أن الله قبل توبته لطرح بالأرض العراء وهو مذموم بما فعل . لا يقال : إن الآية تنافي قوله تعالى : " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " الصافات : 144 ، فإن مدلوله أن مقتضى عمله أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة ومقتضى هذه الآية أن مقتضاه أن يطرح في الأرض العراء مذموما وهما تبعتان متنافيتان لا تجتمعان . فإن يقال : الآيتان تحكيان عن مقتضيين مختلفين لكل منهما أثر على حدة فآية الصافات تذكر أنه عليه السلام كان مداوما للتسبيح مستمرا عليه طول حياته قبل ابتلائه - وهو قوله : كان من المسبحين - ولولا ذلك للبث في بطنه إلى يوم القيامة ، والآية التي نحن فيها تدل على أن النعمة وهو قبول توبته في بطن الحوت شملته فلم ينبذ بالعراء مذموما . فمجموع الآيتين يدل على أن ذهابه مغاضبا كان يقتضي أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة فمنع عنه دوام تسبيحه قبل التقامه وبعده ، وقدر أن ينبذ بالعراء وكان مقتضى عمله أن ينبذ مذموما فمنع من ذلك تدارك نعمة ربه له فنبذ غير مذموم بل اجتباه الله وجعله من الصالحين فلا منافاة بين الآيتين . وقد تكرر في مباحثنا السابقة أن حقيقة النعمة الولاية وعلى ذلك يتعين لقوله : " لولا أن تداركه نعمة من ربه " معنى آخر . قوله تعالى : " فاجتباه ربه فجعله من الصالحين " تقدم توضيح معنى الاجتباء والصلاح في مباحثنا المتقدمة . قوله تعالى : " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر " إن مخففة من الثقيلة ، والزلق هو الزلل ، والازلاق الازلال وهو الصرع كناية عن القتل والاهلاك . والمعنى : أنه قارب الذين كفروا أن يصرعوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر . والمراد بإزلاقه بالابصار وصرعه بها - على ما عليه عامة المفسرين - الإصابة بالأعين ، وهو نوع من التأثير النفساني لا دليل على نفيه عقلا وربما شوهد من الموارد ما يقبل الانطباق عليه ، وقد وردت في الروايات فلا موجب لانكاره . وقيل : المعنى أنهم ينظرون إليك إذا سمعوا منك الذكر الذي هو القرآن نظرا مليئا بالعداوة والبغضاء يكادون يقتلونك بحديد نظرهم .
تفسير الميزان — صفحة 388 | السيد محمدحسين الطباطبائي