آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا
يكسبون " الأعراف : 96 .
فما يصيب الانسان من مصيبة - وهي المصيبة في نظر الدين - هو حاصل محاسبة
أعماله والله يعفو عن كثير منها بالمسامحة والمساهلة في المحاسبة غير أنه تعالى يحاسب العاتين
المستكبرين عن أمره ورسله حسابا شديدا بالمناقشة والاستقصاء والتثريب فيعذبهم
عذابا نكرا .
والمعنى : وكم من أهل قرية عتوا واستكبروا عن مر ربهم ورسله فلم يطيعوا الله
ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ناقشنا فيه واستقصيناه ، وعذبناهم عذابا صعبا غير
معهود وهو عذاب الاستئصال في الدنيا .
وما قيل : إن المراد به عذاب الآخرة ، والتعبير بالفعل الماضي للدلالة على تحقق
الوقوع غير سديد .
وفي قوله : " فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها " التفات من الغيبة إلى التكلم مع
الغير ، ونكتته الدلالة على العظمة .
قوله تعالى : " فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا " المراد بأمرها عتوها
واستكبارها ، والمعنى : فأصابتهم عقوبة عتوهم وكان عاقبة عتوهم خسارا كأنهم اشتروا
العتو بالطاعة فانتهى إلى أن خسروا .
قوله تعالى : " أعد الله لهم عذابا شديدا " هذا جزاؤهم في الأخرى كما كان ما في
قوله : " فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها " جزاءهم
في الدنيا .
والفضل في قوله : " أعد الله لهم " الخ ، لكونه في مقام دفع الدخل كأنه لما قيل :
" وكان عاقبة أمرها خسرا " ، قيل : ما المراد بخسرهم ؟ فقيل : " أعد الله لهم
عذابا شديدا " .
قوله تعالى : " فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا " استنتاج
مما تقدم خوطب به المؤمنون ليأخذوا حذرهم ويقوا أنفسهم أن يعتوا عن أمر ربهم
ويطغوا عن طاعته فيبتلوا بوبال عتوهم وخسران عاقبتهم كما ابتليت بذلك القرى الهالكة .
وقد وصف المؤمنين بأولي الألباب فقال : " اتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا "
تفسير الميزان — صفحة 324
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٢٤