تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
قوله تعالى : " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم " الخ ، إطفاء النور إبطاله وإذهاب شروقه ، وإطفاء النور بالأفواه إنما هو بالنفخ بها . وقد وقعت الآية في سورة التوبة وفيها : " يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم " قال الراغب : قال تعالى : " يريدون أن يطفؤا نور الله " " يريدون ليطفؤا نور الله " والفرق بين الموضعين أن في قوله : " يريدون أن يطفؤا " يقصدون إطفاء نور الله ، وفي قوله : " ليطفؤا " يقصدون أمرا يتوصلون به إلى إطفاء نور الله . انتهى . ومحصله أن متعلق الإرادة في قوله : " يريدون أن يطفؤا نور الله " نفس الاطفاء ، وفي قوله : " يريدون ليطفؤا نور الله " السبب الموصل إلى الاطفاء وهو النفخ بالأفواه والاطفاء غرض وغاية . والآية وما يتلوها كالشارح لمعنى ما تقدم في الآية السابقة من ظلمهم برمي الدعوة بالسحر وعدم هدايته تعالى لهم بما أنهم ظالمون ، والمحصل أنهم يريدون إطفاء نور الله بنفخة أفواههم لكن الله لا يهديهم إلى مقصدهم بل يتم نوره ويظهر دينه على الدين كله . فقوله : " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم " أي بالنفخ بالأفواه كما يطفأ الشمعة بالنفخة كناية عن أنهم زعموا أن نور الله وهو دينه نور ضعيف كنور الشمعة يطفأ بأدنى نفخة فرموه بالسحر وانقطاع نسبته إلى الله . وقد أخطؤا في مزعمتهم فهو نور الله الذي لا يطفأ وقد شاء أن يتمه ولو كره الكافرون والله بالغ أمره ، وهو قوله : " والله متم نوره ولو كره الكافرون " . قوله تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " الإضافة في " دين الحق " بيانية كما قيل ، والظاهر أنها في الأصل إضافة لامية بعناية لطيفة هي أن لكل من الحق والباطل دينا يقتضيه ويختص به ، وقد ارتضى الله تعالى الدين الذي للحق - وهو الحق تعالى - فأرسل رسوله . وإظهار شئ على غيره نصرته وتغليبه عليه ، والمراد بالدين كله كل سبيل مسلوك غير سبيل الله الذي هو الاسلام والآية في مقام تعليل قوله في الآية السابقة : " والله متم نوره " ، والمعنى : والله متم نوره لأنه هو الذي أرسل رسوله بنوره الذي هو الهدى ودين الحق ليجعله غالبا على جميع الأديان ولو كره المشركون من أهل الأوثان . ويستفاد من الآيتين أن دين الحق نور الله في الأرض كما يستفاد ذلك من قوله : " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " الآية النور : 35 ، وقد تقدم في تفسير الآية .