وهو الذي يلازم الانسان ويوحي إليه ما يوحي من الغواية والضلال ، قال تعالى : ( ومن
يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل
ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس
القرين ) الزخرف : 38 .
فقوله : ( قال قرينه ) أي شيطانه الذي يصاحبه ويغويه ( ربنا ) أضاف الرب
إلى نفسه والانسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام ( ما أطغيته ) أي ما أجبرته
على الطغيان ( ولكن كان في ضلال بعيد ) أي متهيئا مستعدا لقبول ما ألقيته إليه
تلقاه باختياره فما أنا بمسؤول عن ذنبه في طغيانه .
وقد تقدم في سورة الصافات تفصيل اختصام الظالمين وأزواجهم في قوله :
( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) الصافات : 22 ، إلى آخر الآيات .
قوله تعالى : ( قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ) القائل هو الله
سبحانه يخاطبهم وكأنه خطاب واحد لعامة المشركين الطاغين وقرنائهم ينحل إلى
خطابات جزئية لكل إنسان وقرينه بمثل قولنا : لا تختصما لدي ، الخ .
وقوله : ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) حال من فاعل ( لا تختصموا ) و ( بالوعيد )
مفعول ( قدمت ) والباء للوصلة .
والمعنى : لا تختصموا لدي فلا نفع لكم فيه بعد ما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك
وظلم ، والوعيد الذي قدمه إليهم مثل قوله تعالى لإبليس : ( إذهب فمن تبعك منهم
فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) أسرى : 63 ، وقوله : ( فالحق والحق أقول لأملأن
جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) ص : 85 . أو قوله : ( لأملأن جهنم من الجنة
والناس أجمعين ) السجدة : 13 .
قوله تعالى : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) الذي يعطيه السياق
أن تكون الآية استئنافا بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كأن قائلا يقول : هب إنك قد
قدمت فهلا غيرته وعفوت ؟ فأجيب بقوله : ( ما يبدل القول لدي ) والمراد بالقول
مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله ، وقد قضى لمن مات على الكفر بدخول جهنم
وينطبق بحسب المورد على الوعيد الذي أوعده الله لإبليس ومن تبعه .
تفسير الميزان — صفحة 352
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٥٢