والظرف في قوله : ( إذ يتلقى المتلقيان ) الظاهر أنه متعلق بمحذوف والتقدير
أذكر إذ يتلقى المتلقيان ، والمراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال الانسان من طريق
كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير توسط الوسائط .
وقيل : الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة : ( أقرب ) والمعنى : نحن أقرب
إليه من حبل الوريد في حين يتلقى الملكان الموكلان عليه أعماله ليكتباها .
ولعل الوجه السابق أوفق للسياق فإن بناء هذا الوجه على كون العمدة في الغرض
بيان أقربيته تعالى إليه وعلمه به والباقي مقصود لأجله ، وظاهر السياق وخاصة
بالنظر إلى الآية التالية كون كل من العلم من طريق القرب ومن طريق تلقي الملكين
مقصودا بالاستقلال .
وقيل : ( إذ ) تعليلية تعلل علمه تعالى المدلول عليه بقوله : ( ونحن أقرب إليه )
الخ ، بمفاد مدخولها .
وفيه أن من البعيد من مذاق القرآن أن يستدل على علمه تعالى بعلم الملائكة أو
بحفظهم وكتابتهم .
وقوله : ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) تمثيل لموقعهما من الانسان ، واليمين
والشمال جانبا الخير والشر ينتسب إليهما الحسنة والسيئة .
قوله تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) اللفظ الرمي سمي به
التكلم بنوع من التشبيه ، والرقيب المحافظ ، والعتيد المعد المهيأ للزوم الامر .
والآية تذكر مراقبة الكتبة للانسان فيما يتكلم به من كلام ، وهي بعد قوله :
( إذ يتلقى المتلقيان ) الخ ، من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به .
قوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) الحيد
العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الانسان حال النزع
إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له .
وفي تقييد مجئ سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي
مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم
بالشر والخير فتنة والينا ترجعون ) الأنبياء : 35 ، وقد مر تفسيره فالموت - وهو
تفسير الميزان — صفحة 348
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٤٨