التجسس أيضا كالغيبة ، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصل
إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير ، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من
طريق تتبع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله : ( أيحب أحدكم أن
يأكل لحم أخيه ميتا ) الخ ، تعليلا لكل من الجملتين أعني ( ولا تجسسوا ولا يغتب
بعضكم بعضا ) .
واعلم أن في الكلام إشعارا أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين ، ومن
القرينة عليه قوله في التعليل : ( لحم أخيه ) فالاخوة إنما هي بين المؤمنين .
وقوله : ( واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) ظاهره أنه عطف على قوله : ( اجتنبوا
كثيرا من الظن ) إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها
بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله : ( إن الله تواب رحيم ) أن الله كثير القبول للتوبة
رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به .
وإن كان هو التجنب عنها والتورع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله :
( إن الله تواب رحيم ) أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ
عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم .
وذلك أن التوبة من الله توبتان : توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه بالتوفيق
للتوبة كما قال تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) التوبة : 118 ، وتوبة بعد توبة العبد
بالرجوع إليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله : ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن
الله يتوب عليه ) المائدة : 39 .
قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الخ ، الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون
وهو على ما في المجمع الحي العظيم من الناس كربيعة ومضر ، والقبائل جمع قبيلة وهي
دون الشعب كتميم من مضر .
وقيل : الشعوب دون القبائل وسميت بها لتشعبها ، قال الراغب : الشعب القبيلة
المنشعبة من حي واحد ، وجمعه شعوب ، قال تعالى : ( شعوبا وقبائل ) والشعب من
الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرق
تفسير الميزان — صفحة 325
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٢٥