قوله تعالى : ( وآتيناهم بينات من الامر ) إلى آخر الآية المراد بالبينات الآيات
البينات التي تزيل كل شك وريب تمحوه عن الحق ويشهد بذلك تفريع قوله : ( فما
اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) .
والمراد بالامر قيل : هو أمر الدين ، و ( من ) بمعنى في والمعنى : وأعطيناهم
دلائل بينة في أمر الدين ويندرج فيه معجزات موسى عليه السلام .
وقيل : المراد به أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى : آتيناهم آيات من أمر النبي وعلامات
مبينة لصدقة كظهوره في مكة ومهاجرته منها إلى يثرب ونصرة أهله وغير ذلك مما
كان مذكورا في كتبهم .
وقوله : ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) يشير إلى أن ما
ظهر بينهم من الاختلاف في الدين واختلاط الباطل بالحق لم يكن عن شبهة أو جهل
وإنما أوجدها علماؤهم بغيا وكان البغي دائرا بينهم .
وقوله : ( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) إشارة إلى
أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى وسيؤثر أثره
ويقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم .
قوله تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين
لا يعلمون ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويشاركه فيه أمته ، والشريعة طريق ورود الماء
والامر أمر الدين ، والمعنى : بعد ما آتينا بني إسرائيل ما آتينا جعلناك على طريقة خاصة
من أمر الدين الإلهي وهي الشريعة الاسلامية التي خص الله بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته .
وقوله : ( فاتبعها ) الخ ، أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع ما يوحى إليه من الدين وأن
لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الإلهي .
ويظهر من الآية أولا : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكلف بالدين كسائر الأمة .
وثانيا : أن كل حكم عملي لم يستند إلى الوحي الإلهي ولم ينته إليه فهو هوى من
أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم .
قوله تعالى : ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) الخ ، تعليل للنهي عن اتباع
أهواء الذين لا يعلمون ، والاغناء من شئ رفع الحاجة إليه ، والمحصل : أن لك إلى
الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو والذريعة إلى ذلك اتباع دينه لا غير فلا
تفسير الميزان — صفحة 166
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٦٦