وقيل : قوله : " كذلك " خبر لمبتدء محذوف ، والتقدير الامر كذلك فهو تقرير
إجمالي للتفصيل المتقدم من اختلاف الثمرات والجبال والناس والدواب والانعام .
وقيل : " كذلك " متعلق بقوله : " يخشى " في قوله : " إنما يخشى الله من عباده
العلماء " والإشارة إلى ما تقدم من الاعتبار بالثمرات والجبال وغيرهما والمعنى إنما يخشى
الله كذلك الاعتبار بالآيات من عباده العلماء ، وهو بعيد لفظا ومعنى .
قوله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " استئناف يوضح أن الاعتبار بهذه
الآيات إنما يؤثر أثره ويورث الايمان بالله حقيقة والخشية منه بتمام معنى الكلمة في العلماء
دون الجهال ، وقد مر أن الانذار إنما ينجح فيهم حيث قال : " إنما تنذر الذين يخشون
ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة " فهذه الآية كالموضحة لمعنى تلك تبين أن الخشية حق الخشية
إنما توجد في العلماء .
والمراد بالعلماء العلماء بالله وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله
معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم وتزيل وصمة الشك والقلق عن نفوسهم وتظهر آثارها في
أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم ، والمراد بالخشية حينئذ حق الخشية ويتبعها خشوع في
باطنهم وخضوع في ظاهرهم . هذا ما يستدعيه السياق في معنى الآية .
وقوله : " إن الله عزيز غفور " يفيد معنى التعليل فلعزته تعالى وكونه قاهرا
غير مقهور وغالبا غير مغلوب من كل جهة يخشاه العارفون ، ولكونه غفورا كثير المغفرة
للآثام والخطيئات يؤمنون به ويتقربون إليه ويشتاقون إلى لقائه .
قوله تعالى : " إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا
وعلانية يرجون تجارة لن تبور " تلاوة الكتاب قراءة القرآن وقد أثنى عليها الله
سبحانه ، وإقامة الصلاة إدامة إتيانها وحفظها من أن تترك ، والانفاق من الرزق سرا
وعلانية بذل المال سرا تحذرا من الرياء وزوال الاخلاص في الانفاق المسنون ، وبذل
المال علانية ليشيع بين الناس كما في الانفاق الواجب .
وقوله : " يرجون تجارة لن تبور " أي لن تهلك بالخسران ، وذكر بعضهم أن
قوله : " يرجون " الخ . خبر إن في صدر الآية وعند بعضهم الخبر مقدر يتعلق به قوله :
" ليوفيهم " الخ " أي فعلوا ما فعلوا ليوفيهم أجورهم " الخ .
تفسير الميزان — صفحة 43
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٤٣