والمعنى : ولما ورد موسى ماء مدين وجد على الماء جماعة من الناس يسقون
أغنامهم ووجد بالقرب منهم مما يليه امرأتين تحبسان أغنامهما وتمنعانها أن ترد المورد
قال موسى مستفسرا عنهما - حيث وجدهما تذودان الغنم وليس على غنمهما رجل - :
ما شأنكما ؟ قالتا لا نسقى غنمنا أي عادتنا ذلك حتى يصدر الراعون ويخرجوا أغنامهم
وأبونا شيخ كبير - لا يقدر أن يتصدى بنفسه أمر السقي ولذا تصدينا الامر .
قوله تعالى : ( فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير
فقير ) فهم عليه السلام من كلامهما أن تأخرهما في السقي نوع تعفف وتحجب منهما وتعد
من الناس عليهما فبادر إلى ذلك وسقى لهما .
وقوله : ( ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير ) أي
انصرف إلى الظل ليستريح فيه والحر شديد وقال ما قال ، وقد حمل الأكثرون قوله :
( رب انى لما أنزلت ) الخ على سؤال طعام يسد به الجوع ، وعليه فالأولى أن يكون
المراد بقوله ( ما أنزلت إلى ) القوة البدنية التي كان يعمل بها الأعمال الصالحة التي فيها
رضى الله كالدفاع عن الإسرائيلي والهرب من فرعون بقصد مدين وسقى غنم شعيب
واللام في ( لما أنزلت ) بمعنى إلى واظهار الفقر إلى هذه القوة التي أنزلها الله إليه من
عنده بالإفاضة كناية عن اظهار الفقر إلى شئ من الطعام تستبقي به هذه القوة
النازلة الموهوبة .
ويظهر منه أنه عليه السلام كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل ولا يريده
وان كان مما يقتضيه طبعه البشرى الا ابتغاء مرضاة ربه وجهادا فيه ، وهذا ظاهر
بالتدبر في القصة فهو القائل لما وكز القبطي : رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا
للمجرمين ثم القائل لما خرج من مصر خائفا يترقب : ( رب نجني من القوم الظالمين )
ثم القائل لما أخذ في السلوك : ( عسى ربى أن يهديني سواء السبيل ) ثم القائل لما سقى
وتولى إلى الظل : ( رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير ) ثم القائل لما آجر نفسه
شعيبا وعقد على بنته : ( والله على ما نقول وكيل ) .
وما نقل عن بعضهم ان اللام في ( لما أنزلت ) للتعليل ، وكذا قول بعضهم ان
المراد بالخير خير الدين وهو النجاة من الظالمين بعيد مما يعطيه السياق .
تفسير الميزان — صفحة 25
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٥