تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
كل شئ خلقه ثم هدى " طه : 50 ، أي هداه إلى منافعه وهي الهداية العامة . وهذا هو الذي أشير إليه في أول السورة بقوله : " أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية " وقد مر تقرير الحجة فيه . وعلى هذا فما سيأتي في قوله : " والذي هو يطعمني " الخ من الصفات المعدودة من قبيل ذكر الخاص بعد العام فإنها جميعا من مصاديق الهداية العامة بعضها هداية إلى منافع دنيوية وبعضها هداية إلى ما يرجع إلى الآخرة . ولو كان المراد بالهداية الهداية الخاصة الدينية فالصفات المعدودة على رسلها وذكر الهداية بعد الخلقة ، وقديمها على سائر النعم والمواهب لكونها أفضل النعم بعد الوجود . وقوله : " والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين " هو كالكناية عن جملة النعم المادية التي يرزقه الله إياها لتتميم النواقص ورفع الحوائج الدنيوية ، وقد خص بالذكر منها ما هو أهمها وهو الاطعام والسقي والشفاء إذا مرض . ومن هنا يظهر أن قوله : " وإذا مرضت " توطئة وتمهيد لذكر الشفاء ، فالكلام في معنى يطعمني ويسقيني ويشفين ، ولذا نسب المرض إلى نفسه لئلا يختل المراد بذكر ما هو سلب النعمة بين النعم ، وأما قول القائل : إنه إنما نسب المرض إلى نفسه مع كونه من الله للتأدب فليس بذاك . وإنما أعاد الموصول فقال : " الذي هو يطعمني " الخ ، ولم يعطف الصفات على ما في قوله : " الذي خلقني فهو يهدين " للدلالة على أن كلا من الصفات المذكورة في هذه الجمل المترتبة كان في إثبات كونه تعالى هو الرب المدبر لامره والقائم على نفسه المجيب لدعوته . وقوله : " والذي هو يميتني ثم يحيين " يريد الموت المقضي لكل نفس المدلول عليه بقوله : " كل نفس ذائقة الموت " الأنبياء : 35 ، وليس بانعدام وفناء بل انتقال من دار إلى دار من جملة التدبير العام الجاري والمراد بالاحياء إفاضة الحياة بعد الموت . وقوله : " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة ، ولم يقطع بالمغفرة كما قطع في الأمور المذكورة قبلها لان المغفرة ليست