يدل عليه ما تقدمه ، والمعنى أنه قرب أن يصرفنا عن آلهتنا مضلا لنا لولا أن صبرنا
على آلهتنا أي على عبادتها لصرفنا عنها .
وقوله : " وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا " توعد وتهديد منه
تعالى لهم وتنبيه أنهم على غفلة مما سيستقبلهم من معاينة العذاب واليقين بالضلال والغي .
قوله تعالى : " أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا " الهوي
ميل النفس إلى الشهوة من غير تعديله بالعقل ، والمراد باتخاذ الهوى إلها طاعته واتباعه
من دون الله وقد أكثر الله سبحانه في كلامه ذم اتباع الهوى وعد طاعة الشئ عبادة
له في قوله : " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن
أعبدوني " يس : 61 .
وقوله : " أفأنت تكون عليه وكيلا " استفهام إنكاري أي لست أنت وكيلا
عليه قائما على نفسه وبأموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد فليس في مقدرتك ذلك وقد
أضله الله وقطع عنه أسباب الهداية وفي معناه قوله : " إنك لا تهدي من أحببت "
القصص : 56 ، وقوله : " وما أنت بمسمع من في القبور " الفاطر : 22 ، والآية
كالاجمال للتفصيل الذي في قوله : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم
وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " الجاثية : 23 .
ويظهر مما تقدم من المعنى إن قوله : " اتخذ إلهه هواه " على نظمه الطبيعي أي
إن " اتخذ " فعل متعد إلى مفعولين و " إلهه " مفعوله الأول و " هواه " مفعول ثان
له فهذا هو الذي يلائم السياق وذلك أن الكلام حول شرك المشركين وعدولهم عن
عبادة الله إلى عبادة الأصنام ، وإعراضهم عن طاعة الحق التي هي طاعة الله إلى طاعة
الهوى الذي يزين لهم الشرك ، وهؤلاء يسلمون أن لهم إلها مطاعا وقد أصابوا في
ذلك ، لكنهم يرون أن هذا المطاع هو الهوى فيتخذونه مطاعا بدلا من أن
يتخذوا الحق مطاعا فقد وضعوا الهوى موضع الحق لا أنهم وضعوا المطاع موضع
غيره فافهم .
ومن هنا يظهر ما في قول عدة من المفسرين أن " هواه " مفعول أول لقوله
" اتخذ " و " إلهه " مفعول ثان مقدم ، وإنما قدم للاعتناء به من حيث إنه الذي يدور
تفسير الميزان — صفحة 223
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢٣