أقول : " وهذا قول من قال في الآية بأن النسيان بمعناه الحقيقي وأن آدم نسي
النهي عند الاكل حقيقة ولم يكن له عزم على المعصية أصلا ، رد عليه السلام ذلك بمخالفة
الكتاب ، وبه يظهر ضعف ما رواه في روضة الكافي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي
جعفر عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة ، فلما
بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها ، وهو قول الله تعالى :
" ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزما " .
وهذا القول منسوب إلى ابن عباس والأصل فيه ما رواه في الدر المنثور عن
الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب عن قول الله :
" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم " قال : كان رجال
من المهاجرين في أنسابهم شئ فقالوا يوما : والله لوددنا أن الله أنزل قرآنا في نسبنا فأنزل
الله ما قرأت .
ثم قال لي : إن صاحبكم هذا يعني علي بن أبي طالب إن ولى زهد ولكني
أخشى عجب نفسه أن يذهب به . قلت : يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت
والله ما نقول : إنه غير ولا عدل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام صحبته . فقال :
ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة ؟ قلت : قال الله في معصية آدم
عليه السلام : " ولم نجد له عزما " وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن
الخواطر التي لم يقدر أحد على دفعها عن نفسه ، وربما كانت من الفقيه في دين الله العالم
بأمر الله فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال : يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص
فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا .
فقد بنى حجته على كون المراد بالعزم العزم على المعصية ولازمه كون المراد
بالنسيان معناه الحقيقي ، فآدم لم يذكر العهد حين الاكل ولا عزم على المعصية فلم يعص
ربه ، وقد تقدم أنه مخالف لقوله : " قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا
ملكين أو تكونا من الخالدين " على أن الآية بالمعنى الذي ذكره لا تناسب سياق الآيات
السابقة عليها ولا اللاحقة ، ومن الحري أن يجل ابن عباس وهو هو عن أن ينسب إليه
هذا القول .
تفسير الميزان — صفحة 228
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢٨