( بيان )
احتجاجات يلقنها الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليرد بها ما قالوه في كتاب الله أو
في آلهتهم أو اقترحوه في نزول الآية .
قوله تعالى : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت
بقرآن غير هذا أو بدله ) هؤلاء المذكورون في الآية كانوا قوما وثنيين يقدسون
الأصنام ويعبدونها ، ومن سننهم التوغل في المظالم والآثام واقتراف المعاصي ، والقرآن
ينهى عن ذلك كله ، ويدعو إلى توحيد الله تعالى ورفض الشركاء ، وعبادة الله مع
التنزه عن الظلم والفسق واتباع الشهوات .
ومن المعلوم أن كتابا هذا شأنه إذا تليت آياته على قوم ذلك شأنهم لم يكن
ليوافق ما تهواه أنفسهم بما يشتمل عليه من الدعوة المخالفة فلو قالوا : ائت بقرآن
غير هذا دل على أنهم يقترحون قرآنا لا يشتمل على ما يشتمل عليه هذا القرآن من
الدعوة إلى رفض الشركاء واتقاء الفحشاء والمنكر ، وإن قالوا : بدل القرآن كان
مرادهم تبديل ما يخالف آراءهم من آياته إلى ما يوافقها حتى يقع منهم موقع القبول ،
وذلك كالشاعر ينشد من شعره أو القاص يقص القصة فلا تستحسنه طباع السامعين
فيقولون : ائت بغيره أو بدله ، وفي ذلك تنزيل القرآن أنزل مراتب الكلام وهو
لهو الحديث الذي إنما يلقى لتلهو به نفس سامعه وتنشط به عواطفه ثم لا يستطيبه
السامع فيقول : ائت بغير هذا أو بدله .
فبذلك يظهر أن قولهم إذا تليت عليهم آيات القرآن : ( ائت بقرآن غير هذا )
يريدون به قرآنا لا يشتمل من المعارف على ما يتضمنه هذا القرآن بأن يترك هذا
ويؤتى بذاك ، وقولهم : ( أو بدله ) أن يغير ما فيه من المعارف المخالفة لأهوائهم
إلى معان يوافقها مع حفظ أصله فهذا هو الفرق بين الاتيان بغيره وبين تبديله .
فما قيل : إن الفرق بينهما أن الاتيان بغيره قد يكون معه وتبديله لا يكون
تفسير الميزان — صفحة 26
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٦