والطمس - كما قيل - تغير إلى الدثور والدروس فمعنى ( اطمس على أموالهم )
غيرها إلى الفناء والزوال ، وقوله : ( واشدد على قلوبهم ) من الشد المقابل للحل
أي أقس قلوبهم واربط عليها ربطا لا ينشرح للحق فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب
الأليم فهو الطبع على القلوب ، وقول بعضهم : إن المراد بالشد تثبيتهم على المقام
بمصر بعد الطمس على أموالهم ليكون ذلك أشد عليهم وآلم ، وكذا قول آخرين :
إنه كناية عن إماتتهم وإهلاكهم من الوجوه البعيدة .
فمعنى الآية : وقال موسى - وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه
ويقينه بأنهم لا يدومون إلا على الضلال والاضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه -
ربنا إنك جازيت فرعون وملاه على كفرهم وعتوهم جزاء السوء فآتيتهم زينة وأموالا
في الحياة الدنيا ربنا إرادة منك لان يضلوا من اتبعهم عن سبيلك ، وإرادتك لا
تبطل وغرضك لا يلغو ربنا ادم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم وغيرها
عن مجرى النعمة إلى مجرى النقمة ، واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا يؤمنوا حتى
يقفوا موقفا لا ينفعهم الايمان وهو زمان يرون فيه العذاب الإلهي .
وهذا الدعاء من موسى عليه السلام على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه التام من
إيمانهم ، وعلمه أنه لا يترقب منهم في الحياة إلا أن يضلوا ويضلوا كدعاء نوح على
قومه فيما حكاه الله : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم
يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) نوح : 27 ، وحاشا ساحة الأنبياء
عليهم السلام أن يتكلموا على الخرص والمظنة في موقف يشافهون فيه رب العالمين
جلت كبرياؤه وعز شأنه .
قوله تعالى : ( قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا
يعلمون ) الخطاب - على ما يدل عليه السياق - لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في
الآية السابقة إلا عن موسى ، وهذا يؤيد ما ذكره المفسرون : أن موسى عليه السلام
كان يدعو ، وكان هارون يؤمن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن
الدعاء لموسى عليه السلام وحده .
والاستقامة هو الثبات على الامر ، وهو منهما عليهما السلام الثبات على الدعوة
تفسير الميزان — صفحة 116
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١١٦