سماواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على عرش قدرته وقام مقام التدبير الذي إليه
ينتهى كل تدبير وإدارة فشرع يدبر أمر العالم ، وإذا انتهى إليه كل تدبير من دون
الاستعانة بمعين أو الاعتضاد بأعضاد لم يكن لشئ من الأشياء أن يتوسط في تدبير
أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلا من بعد إذنه تعالى فهو سبحانه هو السبب
الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه ، ومن دونه من الأسباب أسباب بتسبيبه
وشفعاء من بعد إذنه .
وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر امركم لا غيره مما اتخذتموها
أربابا من دون الله وشفعاء عنده ، وهو المراد بقوله : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا
تذكرون ) أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به أن الله هو ربكم لا رب
غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير .
وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والاذن وغير ذلك في ذيل قوله :
( إن ربكم الله ) الأعراف : 54 في الجزء الثامن من الكتاب .
قوله تعالى : ( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا ) تذكير بالمعاد بعد التذكير
بالمبدء ، وقوله : ( وعد الله حقا ) من قيام المفعول المطلق مقام فعله ، والمعنى :
وعده الله وعدا حقا .
والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى بالمعاد
حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلا برجوع الأشياء - ومن جملتها
الانسان - إليه تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد بحركته السقوط على
الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلا بالاقتراب التدريجي من الأرض والسقوط
والاستقرار عليها ، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى تلاقيه ، قال تعالى : ( يا أيها
الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) الانشقاق : 6 فافهم ذلك .
قوله تعالى : ( إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات
بالقسط ) الخ تأكيد لقوله : ( إليه مرجعكم جميعا ) وتفصيل لاجمال ما يتضمنه من
معنى الرجوع والمعاد .
ويمكن أن يكون في مقام التعليل لما تقدمه من قوله : ( إليه مرجعكم ) الخ
تفسير الميزان — صفحة 10
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠