يثبت في عالم الطبيعة نظام التحول والتكامل ، فكل جزء من أجزاء عالم الطبيعة واقع
في مسير الحركة متوجه إلى الكمال ، فما من شئ إلا وهو في الآن الثاني من وجوده
غيره وهو في الآن الأول من وجوده ، ولا شك ان الفكر والادراك من خواص الدماغ
فهي خاصة مادية لمركب مادي ، فهي لا محالة واقعة تحت قانون التحول والتكامل ، فهذه الادراكات ( ومنها الادراك المسمى بالعلم ) واقعة في التغير والتحول فلا معنى
لوجود علم ثابت باق وانما هو نسبي ، فبعض التصديقات أدوم بقاء وأطول عمرا أو
أخفى نقيضا ونقضا من بعض آخر وهو المسمى بالعلم فيما وجد .
والجواب عنه : أن الحجة مبنية على كون العلم ماديا غير مجرد في وجوده وليس
ذلك بينا ولا مبينا بل الحق ان العلم ليس بمادي البتة ، وذلك لعدم انطباق صفات
المادة وخواصها عليه .
( 1 ) فان الماديات مشتركة في قبول الانقسام وليس يقبل العلم بما أنه علم
الانقسام البتة .
( 2 ) والماديات مكانية زمانية والعلم بما أنه علم لا يقبل مكانا ولا زمانا ، والدليل
عليه إمكان تعقل الحادثة الجزئية الواقعة في مكان معين وزمان معين في كل مكان
وكل زمان مع حفظ العينية .
( 3 ) والماديات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العمومية فالتغير خاصة
عمومية فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغير ، فان حيثية العلم بالذات تنافي حيثية التغير
والتبدل وهو ظاهر عند المتأمل .
( 4 ) ولو كان العلم مما يتغير بحسب ذاته كالماديات لم يمكن تعقل شئ واحد ولا
حادثة واحدة فوقتين مختلفين معا ولا تذكر شئ أو حادثة سابقة في زمان لاحق ،
فان الشئ المتغير وهو في الآن الثاني غيره في الآن الأول ، فهذه الوجوه ونظائرها
دالة على أن العلم بما أنه علم ليس بمادي البتة ، وأما ما يحصل في العضو الحساس أو
الدماغ من تحقق عمل طبيعي فليس بحثنا فيه أصلا ولا دليل على أنه هو العلم ، ومجرد
تحقق عمل عند تحقق أمر من الأمور لا يدل على كونهما أمرا واحدا ، والزائد على هذا
المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محل آخر .
تفسير الميزان — صفحة 51
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥١