من دون استعلاء بالنسبة إلى الغير .
وامّا الكرامة في الله المتعال : فيلاحظ فيه مطلق الكرامة بلا قيد وبلا نهاية بحيث لا يتصوّر فيه أقلّ هوان وضعف ، ففيه تعالى حقيقة الكرامة وكلّ الكرامة ومبدأ الكرامة ومنتهاه ، وكما إنه مبدأ الوجود والتكوين كذلك إنّه مبدأ الكرامة والفيض والرحمة ، ولا يوجد كرامة إلَّا من جانبه .
* ( وَمَنْ يُهِنِ ا للهُ فَما لَه ُ مِنْ مُكْرِمٍ ) * - 22 / 18 فالكريم : من أسمائه الحسنى ، وإذا كان النظر إلى تعلَّق كرمه إلى الغير في مرحلة الإفاضة : فيقال انّه مكرم .
فظهر أنّ الكريم ليس بمعنى المعطى والجواد والسخىّ كما هو المشهور .
وأما آية :
* ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ ) * - 55 / 27 الفناء : زوال ما به قوام الشيء ، وهو قبل الانعدام ويقابله البقاء . ووجه الشيء : ما يقابل منه ويواجه .
ولمّا كان الوجه مجلى الربّ وفيه ظهوره وتجلَّيه واليه المواجهة والإقبال : فيلاحظ أنّه من نفس الشيء ، وعلى هذا قد يفسّر بالذات ، وبهذا الاعتبار اتّصف بقوله ذو الجلال والإكرام ، فانّ الوجه جهة مواجهة وتوجّه إذا لوحظ بالنسبة إلينا ، فيلزم الإكرام والتجليل .
وهذا بخلاف آية : . * ( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرامِ ) * - 55 / 78 فجعل صفة للربّ لا للاسم ، فانّ الاسم فيه جهة المرآتيّة والآليّة وليس ملحوظا بذاته ومتوجّها اليه بنفسه كالوجه .
ولا يخفى التناسب بين هذه الآية الكريمة في آخر السورة وبين أوّلها وهو اسم الرحمن ، فانّ السورة لبيان مصاديق الرحمة والإشارة إلى موارد ظهور
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 48
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٤٨