فالمناط الأصلي في الكرّ هو هذا المعنى ، أو ما بمنزلته بأن يبلغ الماء قدرا إذا استقى منه لا يرى فيه نقصان عرفا .
وبهذا ينكشف اختلاف الروايات في تحديد الكرّ ، فانّها معرّفات تكشف عن تحقّق المقدار اللازم في الكرية عرفا .
* ( لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) * - 39 / 58 . * ( فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * - 26 / 102 أي ليت أن يوجد لنا من الحياة الدنيويّة بمثل ما سبق ، حتّى نكون من المؤمنين . والتعبير في الثانية بالمؤمنين : فانّها في مقابل الضلال وفي مورد الإضلال . بخلاف الأولى فانّها في مورد التفريط في جنب الله وترك التقوى ، فيناسبه الإحسان .
وهذا من الاشتباهات لأهل الدنيا المحجوبين ، فانّهم قد غفلوا عن أنّ منشأ الأعمال صالحة أو طالحة ، إنّما هو ما في الباطن من الصفات الحيوانيّة الرذيلة الراسخة في طول الحياة ، ولا يتمكَّن أحد أن يعمل عملا صالحا خالصا إلَّا بعد إصلاح قلبه ونيّته وصفاته الباطنيّة ، فمن كان قلبه راسخا فيه حبّ الدنيا وتمايل إلى شهواتها وحب الرياسة ، وخاليا عن التعلَّق بعوالم الآخرة والروحانيّة ، وغافلا عن حقيقة العبوديّة والخشوع والحبّ لله وفي الله : كيف يستطيع أن يختار طريقة خلاف ما اقتضته طبيعته الظلمانيّة الكدرة المنغمسة في الجهالة .
وهذا معنى قوله تعالى :
* ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه ُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * - 6 / 28 .
فقد ضلَّت طبيعتهم عن سبيل الحقّ ولا يهتدون .
وبهذا اللحاظ يدوم عذابهم ما دام لم يتحوّل باطنهم وعقيدتهم ، ولذا ترى انغمارهم في الشهوات ما داموا في الحياة الدنيا ، وإن طالت أعمارهم إلى أن يبلغوا إلى آلاف سنوات .
* ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ) *
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 42
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٤٢