والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو هيجان وارتفاع بحدّة من حيث هو بأىّ سبب كان ، بنبع أو غليان أو ثوران أو غيرها .
كما أنّ النبع : هو خروج مايع من مخرج وعين .
والغليان : هو ارتفاع مايع في انخفاض بالحرارة .
والهيجان : هو مطلق اضطراب وتحرّك .
والفور أعمّ من أن يكون في مادّىّ كالماء والطعام أو في معنوىّ كالغضب . أو في أمر لطيف كالمائع : كرائحة المسك .
* ( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ) * - 11 / 40 . * ( إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ) * 67 / 7 قلنا إنّ التنور مأخوذ من مادّة النار والنور ، وهو محلّ توقّد النار لطبخ الخبز وغيره . وفوران الماء منه : إشارة إلى قدرته التامّة ومشيّته الكاملة ، بحيث إذا أراد شيئا ، فيكون ، ويتبدّل محلّ توقّد النار إلى محلّ فوران الماء .
وأمّا فوران جهنّم : فانّها مظهر الغيظ ومجلى الغضب ، وتفور كما يفور الغضب ، وهذا أمر ممّا وراء عالم المادّة .
* ( بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ) * - 3 / 125 أي ويأتوكم من زمان فورانهم وهيجانهم وفي حال شدّة تحرّكهم .
ويطلق بهذه المناسبة على معنى الفور المقابل للتراخي ، فانّ الرخوة بمعنى - سستى - ، وهو يقابل الشدّة ، كما أنّ الفور حدّة في هيجان ، فالفور ليس بمعنى الحال والحاضر كما هو المتعارف .
فمعنى قولهم - الأمر يدلّ على الفور : أي طلب الفعل مقارن بهيجان وحدّة في الأمر ، بأن يلزم امتثال الأمر حين فورانه .
فظهر لطف التعبير بالمادّة في الآية الكريمة : إشارة إلى أنّ فوران حدّتهم
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 154
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٥٤