والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو الانتهاء في تسفّل ، ومن مصاديقه : انتهاء الحفر في البئر . وانتهاء طرف المفازة في تسفّل . والتحقيق في أمر وهو البلوغ إلى أقصاه ، ومن ذلك الحقّ وهو البالغ إلى منتهى الأمر الثابت .
ولا يخفى ما بين المادّة والمعق من الاشتقاق الأكبر .
* ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) * - 22 / 27 .
سبق أنّ الإذن هو الاطَّلاع بقيد الرضا والوفاق ، والتأذين : جعل الناس مطَّلعين راضين موافقين .
والرجال : سبق انّه جمع رجل ورجيل بمعنى راجل وهو مشتقّ من الرجل بمعنى العضو ، اشتقاقا انتزاعيّا ، أي من يمشى على قدمه .
والفجّ : كلَّما يكون منفرجا مستقيما صافيا ، كالطريق المستوى . راجعه .
والضامر : الدقيق الصلب الخالي من الزوائد من أىّ شيء ، كالفرس العربىّ والجمل إذا كان مهزولا سريع السير ، ولا اختصاص له بالحيوان .
والتعبير به يشمل كلّ مركب فيه قوّة وخلوص وصلابة ، حيوانا أو غيره .
والتعبير بكلمة يأتين مؤنّثة : فانّها صفة كلّ ضامر ( الضوامر ) ، أي وعلى كلّ مركب يستطيع أن يسير من كلّ فجّ ، وفيه صلابة وقوّة وتحمّل .
والتعبير بالعميق : إشارة إلى لزوم التحمّل والاستطاعة في الضامر بحيث لا يتوانى من طىّ المراحل المتسفّلة والمرتفعة . وأيضا فيه إشارة إلى أنّ البلاد البعيدة بالنسبة إلى مكَّة كالفجّ العميق المتسفّل ، بمناسبة وقوعها في القرب من خطَّ الاستواء ، وكرويّة الأرض الموجبة تسفّل ما دونها كلَّما بعد عن ذلك الخطَّ ، وذلك إذا لوحظت البلاد منتسبة إلى تلك النقطة - يأتوك .
ولم يعبّر بتعبير - يأتوك : فانّه ذكر قبل ، راجعا إلى الناس ، وقوله رجالا :
حال من ضمير الجمع ، وعلى كلّ ضامر : عطف عليه .
ففي الآية الكريمة : إشارة إلى أمرين لم يكونا مفهومين في ذلك الزمان ،
و
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 223
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٢٣