من الربّ تعالى .
يراد توبة يونس في بطن حوت وتسبيحه . والعراء : المكان الوسيع الَّذى لا سترة فيه تستر عن الحرارة والبرودة .
* ( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ) * - 20 / 118 .
الجوع هو فقدان ما به قوام البدن وقواه إذا تحلَّل الغذاء ، فانّ قوام قوى البدن بالغذاء .
والعرى هو الخلوّ من الساتر في ظاهر البدن . فالعرى فيه حاجة في ظاهر البدن .
والجوع فيه حاجة في القوى الداخليّة ، والافتقار في كلّ منهما إلى أمر خارجىّ من البدن .
وأمّا في الجهة الروحانيّة : فانّ الغذاء واللباس للروح إنّما يتكوّنان من نفس الروح لا من الخارج . فغذاء الروح : هو التوجّه والإقبال والارتباط والاستفاضة وشهود المعارف . ولباسه : هو التقوى والورع والطاعة والعبوديّة والزهد .
فإذا كان الإنسان ذا حياة روحانيّة وله وجهة إلى الحقّ والحياة الآخرة :
فغذاؤه ولباسه من نفسه ، لا يحتاج إلى أمر خارجىّ عن وجوده . وأمّا إذا كان متوغَّلا في الحياة الدنيا : فيحتاج إلى غذاء خارج والى لباس يتحصّل من الخارج .
وتدلّ هذه الآيات الكريمة على أنّ آدم خلق أوّلا على مادّة لطيفة ملكوتيّة لا تجوع ولا تظمؤ ولا تعرى ولا تضحى بمقتضى خلقته وحياته ، وكان محيط حياته روحانيّا مستغرقا في اللاهوت .
ثمّ لمّا تجاوز عن حدود الملكوتيّة وخرج عن محيط تلك الجنّة النورانيّة الزاكية القادسة ، بالتأثّر بوساوس الشيطان : فهبط عنها ، ووقع تحت نفوذ عالم المادّة الظلمانيّة الكثيفة ، وصار جسمه بتأثير المحيط ظلمانيّا كثيفا مادّيا ، ولحقته آثار الحياة الدنيا ولوازمها .
وهذا بحث يطول ذيلها ، ويلخّص في أنّ البدن يتبع الروح ، بل هو أثر وتجلَّى وظهور من الروح القاهر الحاكم النافذ .
* ( وَلَوْ جَعَلْناه ُ مَلَكاً لَجَعَلْناه ُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * - 6 / 9
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 105
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٠٥