والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو الغضب الشديد الكامن في القلب . وبهذين القيدين يمتاز عن الغضب ، فانّ الغضب أعمّ من أن يكون شديدا أو معتدلا أو خفيفا ، وكامنا أو ظاهرا .
وإذا أريد إظهاره يستعمل بصيغة تفعّل أو افتعل ، الدالَّين على الطوع والاختيار ، فيقال : تغيّظ واغتاظ ، أي اختار الغيظ وأظهره .
* ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) * - 3 / 134 يراد حبس الغيظ وتحليله في النفس لئلَّا يدوم حتّى يظهر أثره .
* ( وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) * - 67 / 8 . * ( إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ) * - 25 / 12 والشهيق : التنفّس والجذب للهواء . والزفير : دفع ما يتحصّل في الرئة من الهواء الحارّ المتأثّر . فالشهيق في جهنّم باعتبار جذبها الكافر في داخلها ، وهذا جريان طبيعىّ لها للتجانس ، فانّ باطن الكافر شعبة منها ، والتمايل في الجنسين المتوافقين أمر طبيعىّ .
وأمّا الزفير في الآية الثانية : فباعتبار دفع ما يتحصّل في داخلها من حرارة التغيّظ ، إذا رأوها من مكان بعيد . ولا يجوز لها الجذب والشهيق إلَّا بعد أن يتحقّق دخولهم فيها والقوا فيها .
وأمّا التغيّظ وشدّة الغضب والحدّة في باطنها : فهو بمقتضى طبيعتها ، وطبيعة جهنّم جعلت على الحدّة والحرارة والغيظ ، وهذا التغيّظ يشاهد من مكان بعيد ، لا أنّ التغيّظ يتحصّل فيها برؤيتهم .
ولا يرى لها زفير في قبال الَّذين ألقوا فيها ، فانّه يوجب تبرّدا وتخفيفا .
وأمّا سماع صوت الشهيق منها : فهذا أمر يناسب عالم الآخرة ، ولا يمكن قياسه بضوابط عالم المادّة ، أو معرفة كنهه بأفكارنا .
* ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ا للهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * - 3 / 119 . * ( وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ ) * - 9 / 120
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 299
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٩٩