والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو التقصير في العمل بالوظيفة الحقّة اللازمة ، ونتيجة هذا التقصير تحصّل النقص في العمل والضعف فيه أو في صاحبه . ومن لوازمه الفتور والغفلة والخدعة وقلَّة الفطنة والذكاء .
فيقال غبنه في المعاملة أو المبادلة أو المعاشرة أو غير ذلك : كان مقصّرا في العمل بوظائفه الحقّة اللازمة في تلك الموارد .
وأمّا غبن في الرأي : فالكسرة تدلّ على انكسار وضعف زائد في نفس الأمر ، فيكون الفعل لازما .
ويقال غابنه فتغابن ، فالمفاعلة تدلّ على الاستمرار في الفعل ، والتفاعل على مطاوعته واختيار ذلك الفعل المستمرّ .
* ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِالله وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْه ُ سَيِّئاتِه ِ ) * - 64 / 9 قلنا إنّ التفاعل لمطاوعة المفاعلة ، وصيغة المفاعلة تدلّ على الامتداد بوجود الألف ، والتفاعل تدلّ على مطاوعتها ، والمطاوعة هو الوفاق ، من دون إباء وامتناع .
فالتغابن هو تحصّل حالة المغبونيّة ممتدّا ، من أىّ جهة حصل المغابنة .
والقيامة يقال لها يوم التغابن : لأنّ كلّ فرد من المحشورين فيها يرى نفسه في مغبونيّة ، ويشاهد أنّه قصّر في العمل وسامح في السلوك إلى الكمال ، ولم يجتهد سعيها في الوصول إلى المقام الأسنى ، ولم يبلغ في سيره ومجاهدته إلى النهاية الممكنة له - ومن طلب العلى سهر الليالي .
وهذه حالة مشاهدة له وفيها عذاب وشدّة وابتلاء وتألَّم ليس فوقها عذاب ، فانّ نتيجتها التحسّر :
* ( يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ ا للهِ ) *
غثى مقا ( 1 ) - غثى : كلمة تدلّ على ارتفاع شيء دنىّ فوق شيء . من ذلك الغثاء غثاء السّيل ، يقال غثا الوادي يغثو ، وأغثى يغثى أيضا . ويروى : والغثّاء . ويقال
هامش
( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .