فظهر أنّ القيود المذكورة في الأصل لازم أن تلاحظ في موارد الاستعمال ، وأمّا إذا استعملت من دون رعاية القيود : فهي من التجوّز . كالعلم المطلق ، ومطلق الأشجار ، ومطلق الآثار والعلائم .
وقريب من هذا الأصل ما في اللغة العبريّة للمادّة :
قع ( 1 ) - ( شاعر ) فكَّر ، تصوّر ، اعتبر ، حدس ، قدّر ، افترض .
( شعار ) شعر ، ألياف .
فالشعور إنّما هو بمعنى الإدراك الدقيق ، وبهذه المناسبة يطلق المشاعر على الحواسّ ، وبالنظر إلى هذا الأصل قد استعملت في القرآن الكريم .
* ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) * ، * ( وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) * ، * ( وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ ) * .
يراد بأنّهم ما يدركون بالاحساس الدقيق إفسادهم وإضلالهم ومكرهم ، فالمنفيّ في هذه الموارد هو الإدراك الدقيق ، فانّها محتاجة إلى هذا النحو من الاحساس ، ولا يكفي فيها مطلق التوجّه والإدراك الاجماليّ المطلق .
* ( إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) * - 26 / 113 .
أي إن كنتم في إدراك دقيق .
والشاعر : هو الَّذي له احساس لطيف وإدراك دقيق ، وهذا المعنى في نفسه مطلوب وممدوح وطلب للحقّ وسلوك في سبيل الحقيقة .
وأمّا إذا استعمل قبال المقامات الروحانيّة العالية الشهوديّة : فيكون مذموما وغير مطلوب ، فانّ الدقّة في الاحساس من نفسه والاتّكاء على هذا المعنى : يدلّ على فقدان الوحي والإلهام والارتباط والشهود والحقّ والنبوّة .
* ( وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ) * - 69 / 41 .
* ( وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ) * - 37 / 36 .
* ( بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراه ُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ) * - 21 / 5 .
يريدون إنّ ما يذكر من القرآن والآيات : ليس إلَّا من جهة أفكاره الدقيقة وذوقيّاته اللطيفة وإحساساته الشخصيّة ، مع وجود جهات ضعيفة إضافيّة فيه ، فلا
هامش
( 1 ) قاموس عبريّ - عربيّ ، لحزقيل قوجمان ، 1970 م .