ولمّا كان التوحيد وحفظ الأحكام الدينيّة والإلهيّة فيما بين المجوس في غاية الضعف والوهن بل كان منتفيا ، وانّهم على برنامج الشرك ، ويعبدون في مقابل النيران ، ويصرّحون بمبدئيّة النور والظلمة : لم يذكر في الآيتين الأوليين وفي الرابعة أيضا .
والآية الرابعة : لمّا كان المورد في مقام ذمّ أهل الكتاب وطعنهم ، ففرّق الصابئين والنصارى عن المؤمنين واليهود ، فذكرهما مجرّدين عن التأكيد ، فانّ القدر المسلَّم هو رفع الصابئين وما بعده .
وتوضيح ذلك : أنّ التأكيد إنّما هو للحكم لا للموضوع ، والحكم هنا هو عدم الخوف والحزن وفقدانهما ، وهذا المعنى مناسب في المؤمنين للإسلام واليهود الملتزمين بدينهم بالنسبة والحافظين لأحكامهم في الجملة ، وأمّا الصابئون والنصارى في مقام لحاظ كونهما من أهل الكتاب ومن هذه الجهة : فلا اقتضاء لتأكيد الحكم في موردهما .
وأمّا الإعراب في الآية : فالصابئون عطف على محلّ اسم إنّ ( الَّذين آمنوا ) فانّه مبتدأ في الحقيقة ومرفوع ، وقوله - من آمن باللَّه : مبتدأ ثان ، وقوله - فلا خوف عليهم : خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأوّل وهو اسم إنّ .
وليس هنا توارد عاملين على معمول واحد : فانّ التحقيق الحقّ هو أنّ الخبر في باب إنّ : هو مرفوع على الخبريّة الأصيلة ، والحروف المشبهة إنّما تعمل في المبتدأ فقط بالنصب ، وأمّا خبر المبتدأ فهو باق على حالته الَّتي كانت عليها ، والعامل في الخبر هو وقوعه في هذه الموقعيّة .
فظهر انّ العامل في الخبر هو وقوعه في هذه الموقعيّة ، والحروف المشبهة إنّما تعمل في المبتدأ فقط ، والعطف على اسم إنّ قبل تماميّة الخبر لا مانع منه بوجه ، ويدلّ عليه ظاهر نسق هذه الآية الكريمة .
وأمّا نصب المبتدأ في الحروف المشبهة : فانّ النصب يدل على تعلَّق الحكم وتحقّقه وتثبّته منتسبا إلى موضوع ، كما في المفعول ، وهذا معنى التأكيد المدلول في إنّ ، أو التشبيه أو الترجّي أو غيرها .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 176
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٦