كان المورد خصوص النار : فيقيّد الشهاب بالشعلة الناريّة . وبقرينة قوله - . * ( آتِيكُمْ مِنْها ) * : يستفاد الإتيان بالشعلة في حطب أو عود ، ولعلّ هذا المعنى أوجب تقييد المعنى بهما كما رأيت .
* ( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَه ُ شِهابٌ مُبِينٌ ) * - 15 / 18 .
* ( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَه ُ شِهابٌ ثاقِبٌ ) * - 37 / 10 .
* ( فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَه ُ شِهاباً رَصَداً ) * - 72 / 9 .
* ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ) * - 72 / 8 .
استراق السمع : استماع مستخفيا كأنّه سرق وأخذ السمع من غير حقّ .
والمبين : ما يوجب انكشافا وتفرّقا . والخطف : هو الأخذ دفعة وبسرعة وهو قريب من الاستراق . والثاقب : هو النافذ . والحرس : هو المراقبة ، والحرس جمع . والرصد :
تمكَّن للمراقبة .
قلنا إنّ الجنّ في مقابل الإنس ، وألطف وأشدّ تحرّكا وأقوى عملا وأدقّ تحوّلا ونفوذا ، وقد خلق من مادّة النار والحرارة .
وكلمات - الاستراق والخطف والحرس : تدلّ على أنّ المراد من السماء هي السماوات الروحانيّة والمراتب المعنويّة ، من عالم الملائكة وغيرها .
وعالم الملائكة واقع في باطن عالم المادّة وفيه من الأسرار والتقديرات والحقائق والعلوم ما يخفى على أهل عالم الإنس والجنّ .
فيكون المراد من الشهب في هذه الموارد : القوى الروحانيّة والأنوار الحادّة الصادعة النافذة المتجلَّية الظاهرة من تلك العوالم . وكذلك المراد من الرصد والحرس : لا بدّ أن يكون ما يناسبها .
ومن الممكن أن يكون المراد من السماء : السماوات الطبيعيّة الظاهرية كبعض الثوابت والكواكب ، إذا كانت فيها موجودات متناسبة بها .
فانّ الموجودات تختلف باختلاف محيط الحياة من الحرارة والبرودة ولطافة الهواء وكثافتها والموادّ الموجودة الأصيلة فيه ، فالموجودات الحيّة في البحر والماء تخالف الحيوانات البرّيّة ، وفي المناطق المنجمدة تخالف ما في المناطق الحارّة ، وهكذا .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 127
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٢٧