والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو حصول حالة الحيرة بنفسها من دون مقدّمة وسبب اختياريّ .
وسبق في الحيرة إنّها تكون ملحوظة أوّلا في القلب ثمّ يظهر أثره في الجوارح ، وهي إنّما تحصل في نتيجة الشكّ والضلال .
فالنظر في الحيرة إلى كونها مذمومة في أثر ضلال وانحراف . وفي السدرة إلى تحقّق هذه الحالة من دون اختيار ، فليس فيها مدح ولا ذمّ في نفسها .
فيقال سدر بصره ، وهو سادر لا يدري ما يصنع .
وهذا المعنى أنسب في المراحل الروحانيّة والمعنويّة ، كما في مقامات السكر والهيمان والصحو من مراحل السلوك .
فالسدر في المراحل الباطنيّة : عبارة عن حصول حالة الهيمان للسالك في أثر الاستغراق في جاذبة النور واللطف والجمال .
ثمّ إنّ لهذه الحقيقة مراتب :
فأوّل مرتبة منها : إنّما تظهر بعد الموت عن المادّة اختيارا وهو الموت الأكبر ، حيث يتوجّه بعد إلى عالم الملكوت والنورانيّة والصفا ، ويسلك في مسير الروحانيّة .
والمرتبة الثانية منها : إنّما تتجلَّى بعد الموت الأعظم وهو الموت عن النفس والأنانيّة ، حيث يتوجّه بعد إلى اللَّه العزيز خالصا ويستغرق في نور الجمال والجلال ، ويحصل له مقام الهيمان والسدر .
والمرتبة الثالثة : السدرة النهائيّة ، وذلك إذا انتهى إلى المنتهى .
* ( وَلَقَدْ رَآه ُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) * - 53 / 14 .
أي عند نزول وتحقّق عند مقام هيمان وصحو مخصوص لمنتهى السلوك ومنتهى سير العبيد - هو المبدأ والمنتهى - وهناك الجنّة الَّتي في مقام المأوى المطلق للناس - واليه المرجع والمآب - وهي الجنّة الَّتي لا جنّة فوقها ، ويغشى تلك السدرة ما يغشاها من
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 83
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٨٣